فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 160

وأمَّا ما كان المقتضى لفعلِهِ في عهدِه عليهِ السَّلامِ موجودًا من غير وجود المانعِ منه، ومع ذلك لم يفعلْه، ولم يحثَّ عليه، علمَ أنّه ليس فيه مصلحة، بل هو بدعةٌ قبيحةٌ سيِّئة. انتهى.

إذا عرفت هذا، فنقول: الخُطبةُ بالفارسيَّةِ التي أحدثوها واعتقدوا حسنَها ليس الباعثُ إليها إلاَّ عدم فهمِ العجمِ اللُّغة العربيَّة، وهذا الباعثُ قد كان موجودًا في عصرِ خيرِ البريّة، وإن كان فيه اشتباهٌ فلا اشتباهَ في عصرِ الصَّحابةِ والتَّابعين، ومَن تبعَهم من الأئمَّةِ المُجْتهدين، حيث فتحتِ الأمصارُ الشَّاسعة، والدِّيارُ الواسعة، وأسلمَ أكثرُ الحبش، والرُّوم، والعجم، وغيرهم من الأعاجم، وحضروا مجالسَ الجُمعِ والأعيادِ وغيرها من شعائرِ الإسلام، وقد كان أكثرهم لا يعرفونَ اللُّغةَ العربيَّة، ومع ذلك لم يَخْطُبْ لهم أحدٌ منهم (1) بغيرِ العربيَّة، ولما ثبتَ وجودُ الباعثِ في تلك الأزمنةِ وفقدانِ المانع، والتَّكاسل، ونحوه معلومٌ بالقواعدِ المبرهنة، لم يبقَ إلاَّ الكراهةَ التي هي أدنى درجاتِ الضَّلالة.

والحلُّ في هذا المقام، وبه يتمُّ الالزام، أنّه كما وضعتْ الخُطبةُ للتَّعليم، وأمرَ الخُطباءُ والعلماءُ بالتَّفهيم، كذلك أمرُ الجاهلونَ بطلبِ العلم، حيث قال النَّبيُّ صلَّى الله عليه وعلى آلهِ وسلَّم: (طَلَبْ العِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِم) ، أخرجَهُ ابن عديِّ والبَيْهَقِيُّ من حديثِ أنس (2) .

(1) أي من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم.

(2) في (( سنن ابن ماجه ) ) (1: 81) ، و (( مسند البزار ) ) (1: 172) ، و (( المعجم الصغير ) ) (1: 36) ، و (( مسند أبي يعلى ) ) (5: 223) ، و (( مسند الشهاب ) ) (1: 135) ، و (( شعب الإيمان ) ) (2: 253) ، و (( الفردوس ) ) (1: 78) ، و (( التاريخ الكبير ) ) (4: 357) ، و (( الجرح والتعديل ) ) (4: 262) ، و (( الميزان ) ) (1: 155) ، و (( الكامل ) ) (1: 252) ، و (( لسان الميزان ) ) (3: 61) ، و (( ضعفاء العقيلي ) ) (2: 230) ، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت