مما ينبغي للإنسان أن يستشعر أيضا في اعتكافه: حسن الظن بالله - تعالى -، فالأدب مع الله في بيوته وفي العبادات أن يحسن العبد الظن بربه - تعالى -، ولذلك تجد المحسنين الذي أحسنوا الظنون بربهم إذ ا قرؤوا القرآن خشعت قلوبهم، وبكت من خشية الله عيونهم، وسكنت في طاعة الله جوارحهم، وخضعت لربهم.
كذلك أيضا مما يعين على الأدب في حالة الاعتكاف: مراعاة حقوق النفس، أن يتأدب المعتكف مع نفسه.
والأدب مع النفس له جوانب عديدة:
على المعتكف أن يعرف من هو؟ ومن هي نفسه الأمارة بالسوء؟ ويتأدب مع هذه النفس، فلا يعطيها أكثر من حقها، ولا يحملّها فوق ما تطيق، حتى يُقبل على العبادة بسنة، واتباعٍ لهدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، بعيدا عن غلو الغالين، بعيدا عن الرهبانيّة، والتنطع، والغلوّ في الدين، يقبل على اعتكافه متّبعا رسول الهدى - صلى الله عليه وسلم -، حنيفية سمحاء، ورحمة من أرحم الراحمين، لا غلوّ فيها ولا شطط، يقبل بنفس منشرحة، لا تحمّل فوق ما تطيق، قال صلى الله عليه وسلم يشير إلى هذا الأدب: (( أيها الناس، اكلفوا من الأعمال ما تطيقون، فإن الله لا يمل حتى تملوا ) ).
وقال صلى الله عليه وسلم في الذي يعذب نفسه، ويجهد نفسه ويحملّها فوق ما تطيق: (( إن المنبت لا ظهرا أبقى ولا أرضا قطع ) ).
يسهر الإنسان سهرا لا يعطي نفسه حق النوم في النهار، ويقدم على العبادة بجد واجتهاد فوق الطاقة، فعندها يمرض، أو يسقط، فلا هو بقي له جسده، ولا هو كملت له عبادته، وهذا شيء مذموم في الشرع، غير محمود، جاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالتيسير، ولم يأت بالتعسير، جاء بالرحمة، ولم يأت بالعذاب، رأى رجلا قام في الشمس، فقال: (( من هذا؟ قالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم فلا يقعد، وأن لا يستظل، وأن يصوم ولا يفطر، فقال: إن الله عن تعذيب هذا لنفسه لغني ) ).