وكذا ما جاء في بيان الحكومة [1] يمثل توفر القرار السياسي لضمان الاستقلال العملي للقضاة والهيبة اللازمة للقضاء، ولكن في نظري الخاص أن ما جاء في رسالة الأخ الرئيس وما جاء في بيان الحكومة إنما هو تحصيل حاصل لما هو في الدستور والقوانين الخاصة بالسلطة القضائية، فهو غير كافٍ ولا تغني هذه التصريحات ولا البيانات من جوع إذا لم يُترجَم ذلك القول بالعمل، فقد مللنا وملَّ الشعب من الكلام الأجوف الذي لا يعقبه تطبيق وتنفيذ، فلا يزال القاضي مهدور العرض لا يجد من يحميه، أحيانًا من المواطنين الجشعين، وأحيانًا أخرى من رجال الشرطة والأمن أنفسهم.
وأنا نفسي أكتب هذه الأحرف وأنا مُضْرِبٌ عن العمل من جرَّاء ما حصل عليَّ من الاعتداء ولم أجد من يحميني، أصدرت حكمًا في الجلسة نفسها التي حصل فيها الاعتداء وسلَّمته إلى النيابة العامة بقضاء مِيْدِي ومحافظة حجة ومحكمة الاستئناف.
ومنذ ما يقرب من أكثر من سنة من كتابة هذه الأحرف والمعتدي لم يجد من يُلقي عليه القبض، وكأنه لم يصنع شيئًا! فما قيمة كلام الرئيس أو بيان الحكومة أو نصوص الدستور أو مواد القانون إذا لم تخرج هذه كلها وتُترجَم إلى الواقع العملي.
والدستور ليس رجلًا يفرض على الآخرين تطبيقه والعمل به وإنما هي نصوص ومواد مفتقرة إلى الرجل الذي يقوم بتطبيقه وتنفيذه والعمل بما فيه.
مرفق بهذا صورة الحكم المذكور آنفًا يصرخ بأعلى صوته بمن يقوم بتنفيذه، راجع الملحق رقم (3) في نهاية البحث.
وأخيرًا: أخلص من هذا المَعلَم بأهمية إصدار قانون استقلال القضاء على أن تكون هناك حماية جزائية تفصيلية متشددة ويتضمن هذا القانون فرض عقوبات صارمة ورادعة على كل من يتدخل في شئون القضاء وحسن سير العدالة أو يمنع تنفيذ أحكامه أو يعرقلها، ولا يكون لهذا القانون أيضًا أي قيمة عملية أو تطبيقية إذا لم تتوفر الحراسة الكاملة والحماية التامة لسلطة القضاء وذلك لتأمين سلامتهم من أي اعتداء أو تهديد حيث يعتبر ذلك ضرورة ملحّة تفرضها ظروف وأوضاع اليمن الاجتماعي، فيجب التعامل مع ظاهرة الاعتداءات على القضاة بطريقة حازمة وجادّة باعتبارها جرائم تمس هيبة الدولة وأمن المجتمع بأسره، كما يجب تعقب مرتكبي الحدث والقبض عليهم بأي حال وتقديمهم للمحاكمة وإعلان الأحكام وتنفيذ العقوبات أمام الرأي العام.
كما يجب اهتمام الدولة إعلاميًا بأي حادث اعتداء وذلك بما يحقق
(1) المراد بها حكومة عبد الكريم الإرياني القائمة حاليًا 1998 م. والحكومة السابقة.