يقال جنبه الشر: إذا أبعده عنه، وحقيقته جعله في جانب، فيعدى إلى مفعولين.
قال تعالى: (( واجنبني وبني أن نعبد الاصنام ) )ومطاوعه اجتنب الشر فنقص مفعولًا والمأمور باجتنابه بعض الظن [1] .
وقوله (كثيرًا) جاءت نكرة ليحتاط في كل ظن، ويتأمل حتى يعلم أنه من أي القبيل فإن من الظن ما يباح اتباعه كالظن في الأمور المعاشية، ومنه ما يجب كحسن الظن بالله، ومنه ما يحرم كالظن في الالهيات والنبوات، وحيث يخالفه قاطع، وظن السوء بالمؤمنين. وفي الحديث ما يدل على أن الله حرم من المسلم دمه وعرضه وأن يظن به إلا خيرا. [2] وعن عائشة رضي الله عنها مرفوعًا (من أساء الظن بأخيه فقد أساء بربه الظن، إن الله تعالى يقول(اجتنبوا كثيرًا من الظن) [3] .... [4] .
(من الظن) : الظن هنا مجرد التهمة التي لا سبب لها يوجبها كمن يتهم بشيء من الفواحش ولم يظهر عليه ما ينفي ذلك [5] .
ودليل كون الظن هنا بمعنى التهمة قوله تعالى: (ولا تجسسوا) وذلك أنه يقع له خاطر التهمة ابتداء، ويريد أن يتجسس خبر ذلك ويبحث عنه، ليتحقق له ما وقع له من تلك التهمة.
والذي يميز الظن الذي يجب اجتنابه عما سواه، أن كل ما لم تعرف له إمارة صحيحة وسبب ظاهر كان حرامًا، وهذا يكون فيما لو كان المظنون به ممن شوهد منه التستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظن الفساد به والخيانة محرم.
بخلاف من اشتهر بين الناس بالفساد والمجاهرة بالخبائث [6] .
(إن بعض الظن إثم) : تعليل لما قبلها من الأمر باجتناب كثير من الظن، وهذا هو ظن السوء بأهل الخير [7] .
(1) تفسير القرآن الجليل ج 3/ 398.
(2) يدل عليه حديث رواه ابن ماجه في كتاب الفتن باب حرمة دم المؤمن وماله 2/ 364، حد/398 فعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أنه راى رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول (ما أطيبك، وأطيب ريحك، ما أعظمك وما أعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمةً منك ماله ودمه، وأن نَظُنَّ به إلا خيرًا) . وذكره مسلم في كتاب البر، وابو داوود في كتاب الأدب، والترمذي في البر وأحمد بن حنبل بألفاظ أخرى ليس فيها وأن نظن به إلا خيرًا).
(3) ذكره السيوطي في الدر المنثور وقال أخرجه ابن مردويه وابن النجار 6/ 565 - 566.
(4) روح المعانى 26/ 176 تفسير ابى السعود 8/ 122.
(5) فتح الباري 1/ 481.
(6) تفسير القرطبي 16/ 320. وتفسير الشوكاني: 5/ 64
(7) تفسير الشوكاني: 5/ 64.