أي أن قلوب البشر جميعًا واقعة في نطاق فعالية القدرة الإلهية، فهو يتصرف فيها بما شاء، ولذلك كان من دعائه صلى الله عليه وسلم:
(يا مثبِّت القلوب ثبِّتْ قلوبنا على دينك) رواه ابن ماجه
ومن بين الوقائع التي تشير بالبنان إلى هذه الحالة:
زوَّجَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم زيدَ بن حارثة من زينب بنت جحش وبعد مضي زمن على زواجهما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم زيدًا لأمر فذهب إلى بيته، وصادف أن زينب بنت جحش كانت في موقع من البيت انكشف لبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فصرف رسول الله وجهه، وانقلب وهو يردد في نفسه: (سبحان الله مقلب القلوب) . [1]
ففي غمضة عين، بل وأقرب، اضطرب قلبه صلى الله عليه وسلم لحظة وقعت عينه على زينب، ولأنه كان يدرك طهارة ذاته وقلبه من كل مايشين، وأنه لاسبيل لوقوعه فيما يتعرض له البشر من نقائص، علم أن اضطراب قلبه لمرأى زينب إنما كان أمرًا أراده الله، فانقلب وهو يتمتم؛ مُقرًّا بقدرة الله تعالى على التصرف في القلوب.
وبالفعل، أراد الله لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يتزوج زينب فألقى في قلبه محبتها، لكن رسول الله كان متحرِّجًا من هذه الحالة، إذ كيف يرغب في امرأة هى زوجة رجل كان يدعى في يوم ما: زيد بن محمد؟
ولكن الله تعالى أراد، ولا راد لما يريد، فكان ذلك الاضطراب في قلبه الطاهر صلى الله عليه وسلم، ثم كانت تلك الآية من سورة الأحزاب التي كانت عقد زواج أبرمه المولى عز وجل وجعله نصًا في القرآن، وسوف يأتي الحديث فيها مفصلًا لاحقًا.
أي أن تقلبات القلب بيد الله تعالى، يتصرف فيه كيفما يشاء لما يريد. وليس في هذا المعنى إعلان بأن الإنسان ليست له مسؤولية وقدرة على فاعلياته القلبية، بل هو مسؤول، ومسئوليته محصورة في المساحة الاختيارية التي تتحقق من خلالها إرادة النفس أو وسوسة الشيطان، ولذلك كان دعاؤه صلى الله عليه وسلم:
(1) - النسفي: ج3، ص 443.