الصفحة 49 من 134

* ... إن الله تعالى إذا أراد أمرًا فإنما يقول له كن فيكون، وهذه الكينونة التي تفضي إليها كلمة {كن} أجل وأعظم من أن يدرك الإنسان آلية جريانها؛ لأن القوانين التي تقوم عليها لها أبعاد غير أبعاد القوانين التي يدركها الإنسان من قوانين الحالة المادية للموجودات.

أدرك الإنسان أن الماء ينفجر من الأرض عيونًا وينابيع، وأنه لا ينفجر إلا في حال وفْرته في جوف الأرض، وضغطه المتزايد الذي يؤدي إلى انفراج الأرض عنه. أما انبثاق الماء من بين أصابع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكن من ذلك القبيل، فقد كانت يده في الركوة والركوة بدورها كانت حاجزًا بين أصابعه وبين وجه الأرض، ومع ذلك انبثق الماء من بين أصابعه.

إن انبثاق الماء كان من خلال قانون آخر في كتاب {كن} وهو أن الله أرسل أمره {كن} إلى الماء، ليكون على ما أراد له وقدر، فاستجاب الماء القليل لأمر الله فخرج عن إطار قانون الحجم والكتلة وأصبح ماءً متدفقًا كأمثال العيون.

وليس لنا أن نقول إن تحول الكينونة في الماء جاء بعيدًا عن الهندسة الخلقية التي

قدرها الله تعالى للموجودات، فهو جل شأنه مبدع الأكوان الذي علَّم الإنسان هندسة التكوين، أي أن هذا التحول في كينونة الماء أيضًا كان قائمًا على جملة قوانين، ولكنها أسمى وأجل من أن يدركها الإنسان، لا يملك إذا رأى آثارها إلا أن يسلِّم بأن هذه الفاعلية ليست فاعلية بشرية، إنما هي فاعلية فوق بشرية، هى فاعلية رب العالمين.

وقد كان الأنبياء عمومًا مشتملين على هذه الفاعلية، ومن بينهم عيسى عليه السلام الذي بلغت لديه هذه الفاعلية حدّ الذروة، إذ كانت لديه فاعلية إحياء الموتى بإذنه الله تعالى، فكان ذلك سببًا في سرعة انزلاق قومه إلى القول بأنه إله أو ابن إله. ولذلك حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته من الوقوع فيما وقع فيه النصارى فنهاهم عن أن يصل بهم مدحه والإطراء له إلى الحدِّ الذي بلغه النصارى. ومع ذلك فإن قلوبهم تتذبذب قليلًا أو كثيرًا في مساحة التعلق بما لرسول الله صلى الله عليه وسلم من فاعلية في الرحمة والمغفرة، ولذلك نجد منهم من يُعْلى من وتيرة التعلق

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت