الصفحة 63 من 134

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا) [1]

بل إن سبب نزول هذه الآية كان بسبب رفض زينب وأخيها عبدالله قبول زيد زوجًا. فقبلت زينب بعد نزول هذه الآية الزواج من زيد، ولكن التكوين العقلي والنفسي والاجتماعي الذي اكتسبته من البيئة لم يتبدل، فكانت تغالب نفسها لتكون زوجة صالحة لزيد، وأنا أشهد أنها كانت كذلك، إلا أنها لم تملك نفسها من الوقوع في بعض الهفوات التي كانت تأتي عفوًا، ولكنها كانت كافية ليقول فيها زيد: فإن فيها كِبْرًا، تعظم عليّ وتُؤذيني بلسانها.

وقد كان بالإمكان أن لا تقع زينب رضي الله عنها في هذه الهفوات، وكان بالإمكان أيضًا أن يتغاضى زيد عما كان يلقاه منها، ولكن الله تعالى كان يريد أمرًا، فترك زيدًا وزينب لفعاليات الحالة البشرية التي ينطوي عليها كل منهما، فلم تستطع زينب أن تحفظ نفسها ولسانها من أن تفخر بنسبها، ولم يستطع زيد أن يصبر على مايراه منها، ولذلك جاء يستأذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تطليقها. فكيف واجه صلى الله عليه وسلم هذه الحالة؟

ج: واجهه بما حكاه الله تعالى على لسانه:

(أمسك عليك زوجك واتق الله)

أي: اتق الله فيما تقول عنها، وذلك أن زيدًا أتاه يشكو منها غِلْظة قولٍ وعصيان أمر وأذى باللسان وتعظُّمًا بالشرف، فقال له {أمسك عليك زوجك} وهو يخفى الحرص على طلاق زيد إياها، وهذا الذي كان يخفى في نفسه، ولكنه لزم مايجب من الأمر بالمعروف. [2]

وقد ذكر النسفي في تأويل {واتق الله} :

فلا تطلقها، وهو نهى تنزيه لا نهي تحريم، إذ لوكان تحريمًا لما جاز له أبدًا أن يطلق زوجه، وهو تأويل أكثر مناسبة وملائمة لشرع الله قديمًا وحديثًا وبيان ذلك فيما يلي:-

(1) - الأحزاب: الآية 36.

(2) - تفسير القرطبي: ج 14 ص 189.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت