رُوِيَ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب زينب بنت جحش، وكانت بنت عمته، فظنّت أن الخطبة لنفسه، فلم تبين أنه يريدها لزيد كرهت وأبت وامتنعت فنزلت الآية، فأذعنت زينب حينئذ وتزوجته. [1]
(إذا قضى الله ورسوله) أي: رسول الله [2]
بالنظر إلى المناسبة التي نزلت بسببها الآية ندرك أن توجه رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طلب زينب للزواج من زيد لم يكن حالة بشرية صِْرفة، بل كان وحيًا ألقاه الله إليه من حيث يدري أو لا يدري.
فهل كان صلى الله عليه وسلم يعلم بأمر هذا المخطط من أوله إلى آخره؟
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يرسم أقدار العباد، بل الله الواحد القهّار هو من يرسمها. فلو كان رسول الله يعلم بشأن زينب ومآلها وأنها ستصبح زوجًا له، لاختصر الطريق ولما جعلها زوجًا لزيد، هذا أوّلًا، أما ثانيًا فإنه لايجوز لنا أن ننسب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم معرفته بمآل زينب ثم نراه يصرّ على زواجها من زيد، فهذا خُلُق لا يليق بكرام الرجال فما بالك بالأنبياء، بل بأعلى الأنبياء قدْرًا.
أي أن الأمر في البداية كان إما اختيار بشريًا محضًا، أو أمرًا من الله:
أ - اختيارًا بشريًا محضًا
قال صلى الله عليه وسلم:
(ما من قلب إلا بين إصبعين من اصابع الرحمن إن شاء أقامه وإن شاء أزاغه)
ابن ماجة
وأُثِر عنه قوله:
(سبحان الله مقلب القلوب) .
وفي ذلك إعلان بأن فعاليات القلوب ليست بعيدة عن يد القدرة الإلهية، فإذا أراد الله أن يُلْقي فكرة في قلب عبد استثار لها خلايا الدماغ، فيظن العبد أنه هو من أنشأ الفكرة، وهو لا يعلم أن يد القدرة الإلهية هى التي هيأتها.
(1) - تفسير القرطبي: ج 14، ص 186.
(2) - تفسير النسفي: ج 3، ص 442.