الصفحة 88 من 134

رغبة أبيك، وهى حالة طبيعية ركَّب اللهُ خلْقَ الإنسان عليها.

فإذا وُصِف رسول الله صلى الله عليه وسلم بأنه أب للمؤمنين، كان في ذلك إنقاص من درجة اختصاصه بأمته، ولذلك اختار الله تعالى كلمة {أولى} للدلالة على علو درجة اختصاصه إلى الحد الذي يتجاوز درجة اختصاص الوالد بولده، فلايملك المؤمن أمامها من نفسه شيئًا، فإذا أراد أمرًا وأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم غيره، كان أمر رسول الله أولى بالاتباع، قال تعالى:

(فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [1]

قال صلى الله عليه وسلم

(والله لايؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين) البخاري ومسلم.

فإذا كانت حالة الإيمان مشروطة بأن تكون محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلى من محبة المرء لأبيه، فإنه لا وجه لأن يقال في شأنه {وهو أب لهم} بل الوجه أن يقال قول رب العالمين: {أولى بالمؤمنين من أنفسهم} .

* ... فإذا كانت طاعة رسول الله واجبة فطاعة الله أكثر وجوبًا. وإذا كان صلى الله عليه وسلم يحب أمته فإن محبته سبحانه أعظم وأجلّ، يشير إلى ذلك الحديث التالي:

(قدم على النبي صلى الله عليه وسلم سبيٌ، فإذا امرأة من السبي قد تحلب ثديها تسقي، حتى إذا وجدت صبيًا في السبي أخذته، فألصقته ببطنها وأرضعته ... فقال لنا صلى الله عليه وسلم:(أترون هذه طارحة ولدها في النار؟) قلنا: لا، وهى تقدر على أن لا تطرحه، فقال: (لله أرحم بعباده من هذه بولدها) رواه البخاري.

فإذا كانت هذه الأم ترحم ولدها بسبب كونها أمًا له، فإن رحمته سبحانه أعظم وأجلّ، وبالنظر إلى هذا القياس ندرك أن الله تعالى أب وأم لكل إنسان، ولكنها

(1) - النساء: الآية 65.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت