ليست أبوة نطفة ورحمٍ وولادة، إنما أبوة الخلق أولًا وآخرًا ...
* ثم إن الأبوة في جميع أحوالها هي أبوة الكلمة. قال تعالى:
(وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ) [1]
فمثلما قضى الله تعالى لزوجات رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكنّ أمهات للمؤمنين، قضى لإبراهيم عليه السلام من قبل أن يكون أبًا للمسلمين، فكيف يكون الأب أبًا؟
إن الأب ليعلن أنه أبٌ لذلك المولود الذي بين يديه، إذا كان هو من وضع النطفة في رحم أمه، ولو نظرنا إلى قوانين تخليق الجنين، بداية من النطفة وانتهاء بخروج الجنين من بطن أمه، لوجدنا أن كل هذه المراحل التكوينية إنما كانت بكلمة {كن} من الله تعالى القائل:
(إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [2]
ولا أحد يعترض على أن كل المراحل التي مرّ بها خلق الإنسان إنما كانت بكلمة
{كن} منه سبحانه، وها هى {كن} أخرى يطلقها الله تعالى في شأن أبينا إبراهيم عليه السلام بقوله فيه {أبيكم} فكانت أبوته للمسلمين أقدس وأجل من أبوة صاحب النطفة لناتج نطفته، لأن كلمته سبحانه في أبوة إبراهيم عليه السلام جاءت بلفظ مباشر منه سبحانه، أما أبوة الوالد لولده فكلمة غير مباشرة انطلقت من كلمة سابقة، هي كلمة الذكر والأنثى وما قُدِّر لهما.
فالأب لا يملك من موجبات تعلقه بولده شيئًا؛ لأنه لا يملك شيئًا من فاعلية تخليق وتكوين ذلك الولد، أي أن الأب والأم ما هما إلا وعاءان، أبدعهما الخلاّق العليم بمواصفات معينة؛ ليكونا سببًا من أسباب استمرار بقاء الجنس البشري.
فالأبوان بذلك يشبهان وعائيين يصنعهما الإنسان ليستخدمهما في إنتاج مُنْتَج ما، فليس للوعائيين أن يدّعيا أن الفضل يرجع إليهما في إنتاج ذلك المنتج، إنما الفضل كله لصاحب المعمل، ولكن الله تعالى لم يجعل الوالدين وعائين خاليين من
(1) - الحج: الآية 78.
(2) - يس: الآية 82.