تداعيات حالة التكوين، بل ألقى في قلب وذات كل منهما قدرًا عظيمًا وجليلًا من المحبة، يحقق لهما ذلك التعلق العظيم بالأبناء.
وعلى ذلك فالأبوة لها وجهان: وجه طبيعي، ووجه رباني.
أما الوجه الطبيعي فيتمثّل في كون الأب والأم مصدرًا للنطفة التي يتخلق منها الولد، فإذا توغّلنا في هذه الحالة وجدنا أن الأب الفعلي هو الله تعالى؛ لأنه هو من أوجد الوالد وولده بتلك القوانين الخلقية التي يكون بها الرجل أبًا، والولد ولدًا.
وأما الوجه الربَّاني فهو ذلك الحب الذي قذفه الله تعالى في قلوب الآباء والأمهات، وهو حب ذو فاعلية غير اعتيادية، لا يملك الجسد إلا أن يكون محكومًا لها، وبهذا الحب كان ذلك التعلّق العظيم الذي يجده الأبوان في قلبيهما نحو أبنائهما.
يبيّن الوجهان السابقان أننا قبل أن نكون أبناءً لآبائنا أبناء مراد الله تعالى ومما يزيد الوجه الرباني جلاءً ما ذكر في الحديث من شأن تلك المرأة التي كانت في السبي، ويجليه أيضًا قوله صلى الله عليه وسلم:
(جعل الله الرحمة مائة جزء، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا، وأنزل في الأرض جزءًا يتراحم به الناس حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) . رواه البخاري.
فإذا كان ذلك الجزء الوحيد هو الذي تقتبس منه جميع المخلوقات ما في ذواتها من رحمة، بما في ذلك رحمة الآباء بالأبناء، فإن ما يدّخره الله للعباد يوم القيامة يبلغ تسعة وتسعين ضعف ذلك الجزء الموضوع في الأرض.
فإذا كان الأب أبًا لأنه صاحب النطفة، فإن الله تعالى هو الأولى بالأبوة، لأنه هو الذي خلق الأب ونطفته، وإذا كان الأب أبًا بما يحمله من حب ورحمة فإن الله هو الأولى بالأبوّة لأن المحبة محبته هو سبحانه، فماذا تبقى للأب؟
لم يتبقَّ له شئ سوى أمر الله تعالى، وهو قضاؤه للأب أن يكون صاحب النطفة وما قدّرله ولزوجه من الأحوال النفسية والجسدية التي توثّق لهما الحالة الوالدية.