وَقَدْ وَرَدَ مثلُ هذا الحديثِ بلفظٍ أدلُّ على الشهادةِ، ففي الحديث الصحيح عن عَبْدِالله ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «قَاْلَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَسْتَحِقُّ بِهَا مَالًا وَهُوَ فِيهَا فَاجِرٌ، لَقِيَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ، ثُمَّ أَنْزَلَ اللهُ تَصْدِيقَ ذَلِكَ: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا ... } فَقَرَأَ إِلَى { ... عَذَابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 77] ، ثُمَّ إِنَّ الْأَشْعَثَ بْنَ قَيْسٍ [1] خَرَجَ إِلَيْنَا فَقَالَ: مَا يُحَدِّثُكُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ؟ قَالَ: فَحَدَّثْنَاهُ، قَالَ: فَقَالَ: صَدَقَ، لَفِيَّ نَزَلَتْ، كَانَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِي بِئْرٍ فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ، قُلْتُ: إِنَّهُ إِذًا يَحْلِفُ وَلَا يُبَالِي ... » [2] الحديث.
ولأنَّ الشهادةَ تحيا بها حقوقُ الناسِ، وتصانُ بها الدماءُ والأموالُ والعقودُ عن التجاحدِ، وتحفظُ بها الأموال على أربابها وملاكها [3] .
لذلك كان تَحَمُّلُ الشَهَادَةِ فرضًا في الجملة؛ لأنها من باب التعاون على البر والتقوى، بل إنها من أفضل البر؛ لأنَّه يتعلق بها حفظُ أموالِ النَّاسِ وحقوقِهم، وحقوقِ الله تعالى، وإقامَةِ حدودِهِ، لذلك يقول تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا} [البقرة: 282] ، وقال سبحانه: {وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة: 251] ، قَالَ
(1) الأشعث بن قيس بن معد يكرب بن معاوية الكندي، يكنى أبا محمد، وَفِدَ على النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر في سبعين راكبًا من كندة، وكان قد ارتد فيمن ارتد من الكنديين، فأُحْضِرَ إلى أبي بكر فأسلم فأطلقه وزوّجه أخته، مات سنة اثنتين وأربعين. ابن حجر، الإصابة، ج 1، ص 239، 240.
(2) أبو عبدالله، محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، ط 2، 1419 هـ/1999 م، مكتبة دار السلام: الرياض، كتاب الرهن، باب: إذا اختلف الراهن والمرتهن ونحوه، رقم الحديث 2515، 2516، ص 406.
(3) ينظر: الموصللي، الاختيار، ج 2، ص 414. ابن قدامة، المغني، ج 12، ص 4.