المنطقة، بل تطاول الأرمن أكثر وأكثر، وخرجوا عن تبعية الدولة البيزنطية، وحاصر أحد أكبر قادتهم وهو فيلاريتوس مدينة الرها، واستولى عليها من البيزنطيين، وذلك في سنة (469هـ) 1077م، ثم في السنة التالية مباشرة (470هـ) 1078م استطاع فيلاريتوس أن يستولي على أنطاكية ذاتها بعد قتل آخر حاكم بيزنطي لها [1] .
غير أن الأرمن لم يحكموا أنطاكية إلا سبع سنوات فقط، حيث سقطت في يد سليمان بن قُتلمش مؤسِّس دولة سلاجقة الروم، وذلك في سنة (477هـ) 1085م [2] ، ليبدأ فيها حكمًا إسلاميًّا من جديد بعد غياب 119 سنة متصلة. ومن جديد بدأ السلاجقة وعموم المسلمين يتزايدون في المدينة، وذلك جنبًا إلى جنب مع النصارى الأرثوذكس على أَتْباع المذهب البيزنطي، والأرمن الذين تكاثروا في السنوات الأخيرة. وهذا التاريخ القريب - كما نرى - أعطى تعقيدًا واضحًا للموقف، فأنطاكية متنازعٌ عليها بوضوح من الطوائف الثلاثة: المسلمين بقيادة السلاجقة، والدولة البيزنطية والأرمن، إضافةً إلى القوة الجديدة القادمة من أوربا الغربية!
عاشرًا وأخيرًا: أنطاكية بالذات حلم كبير في ذهن بوهيموند، الزعيم النورماندي الشرس، فهو لا ينسى أنها كانت أُمْنيَّة أبيه روبرت جويسكارد زعيم النورمان الإيطاليين الشهير، وأن أباه أرسل جيشًا قبل ذلك بسبعة عشر عامًا، وبالتحديد في سنة (473هـ) 1081م لإسقاط أنطاكية، وكان على رأس هذا الجيش بوهيموند نفسه، ولكن هذا الجيش فشل في إسقاط المدينة الحصينة، والفشل في عُرْف هؤلاء القراصنة عار كبير، فهم لا يعيشون إلا على السلب والنهب والسرقة والقنص؛ ولذلك فإن بوهيموند لم ينس أنطاكية أبدًا، ويأخذ القضية كثأر قديم، ويضحِّي بكل شيء من أجل استحواذها، وليس في ذهنه دين ولا صليب، ولا يتحرك قلبه لقدس أو حجيج، ولا يخشى في ذلك إمبراطور الدولة البيزنطية الذي تظاهر بالصداقة له، ولا زعماء الحملة الصليبية الذين يصاحبونه في هذه العمليات الإجرامية. إن المسألة عنده مسألة شخصيَّة تمامًا، وسيبيع كل شيء ويشتري أنطاكية!
هذه أمور عشرة جعلت قضية أنطاكية قضية معقدة جدًّا، وهي محطُّ أنظار الجميع، وعليها سيكون التنافس بين كل القوى الموجودة في المنطقة.
مَن الذي يحكم أنطاكية في ذلك الوقت؟
كان يحكمها أحد العسكريين التركمان الأشداء، وهو ياغي سيان، ومن خلال استعراض قصته سنجد أنه كان من الزعماء السياسيين والعسكريين المتميزين، وكانت له حكمة بالغة في
(1) حامد غنيم أبو سعيد: الجبهة الإسلامية في مواجهة المخططات الصليبية ص91.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 10/ 139،138.