فهرس الكتاب
التراتيب الإدارية، والمواقف السياسية، والقتال الحربي، وإن لم يكن متحليًا بالأخلاق الإسلامية الرفيعة، فليس عنده مبدأ معين، فقد يصادق إنسانًا ويعاديه في يوم آخر لتعارض المصالح [1] ، وهو في قتاله لا يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا، ولكن يقاتل من أجل حب البقاء، وحب التملك والسيطرة، وحب الكرسيِّ، وما إلى ذلك من أمور الدنيا.
وهذه النوعية من الحكام - مع كفاءَتها السياسيَّة والعسكريَّة - لا تصلح للحفاظ على هيبة المسلمين طويلًا، فهم - لا شكَّ - يسقطون وتسقط معهم الشعوب التي قبلت بهم، وتسقط كذلك المدن والدول التي يحكمونها. إن النصر في المفهوم الإسلامي لا يكون إلا من عند الله، والله - عز وجل - لا ينصر إلا من نصره، يقول تعالى: (إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ [2] . ويقول أيضًا: (وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [3] .
وهذا الذي لم يضع نصر الله في حساباته لا ينصره الله - عز وجل - أبدًا، وإن قعد في كرسيِّه عشرات السنين، وإن تعلَّم علوم الحرب والسياسة، وفَقِه في أمور القيادة والإدارة.
ولعلنا إذا راجعنا قصة ياغي سيان نفهم طبيعته، ومن ثَمَّ نفهم قصة حصار أنطاكية.
لقد كان ياغي سيان قائدًا من القوَّاد المهرة للسلطان السلجوقي الشهير ملكشاه بن ألب أرسلان الذي قاد دولة السلاجقة العظام، وهي التي كانت تسيطر على فارس والعراق وأجزاء من الشام من سنة 464 هـ إلى سنة 485 هـ (من 1072 إلى 1092 م) ، وكان أخو ملكشاه وهو تتش بن ألب أرسلان يحكم الشام، وحدث قتال بين تتش وسليمان بن قتلمش زعيم سلاجقة الروم الذي حرَّر أنطاكية بعد احتلال دام 119 سنة من الدولة البيزنطية، وذلك في سنة (477 هـ) 1085 م، وكانت نتيجة قتال تتش وسليمان أن قُتل سليمان، وذلك في سنة (478 هـ) 1086 م، وهكذا صارت أنطاكية من أملاك تتش [4] ، غير أن ملكشاه نزع أنطاكية من ملك أخيه وأعطاها إلى ياغي سيان، وذلك في سنة (479 هـ) 1087 م [5] . وهذا - لا شك - أوغر صدر تتش تجاه ياغي سيان، ولكن قوَّة ملكشاه منعت تتش من اتخاذ أي موقف تجاه ياغي سيان، ومرت السنوات ومات ملكشاه في سنة (484 هـ) 1092 م، أي بعد خمس سنوات من ولاية ياغي سيان على أنطاكية، ومع أننا توقعنا صدامًا قويًّا بين تتش وياغي سيان على أنطاكية، إلا أن ياغي سيان استطاع بحكمته وسياسته
(1) علي الصلابي: دولة السلاجقة ص 469.
(2) (محمد: 7) .
(3) (آل عمران: 126) .
(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 6/ 300.
(5) ابن واصل: مفرج الكروب 1/ 19.