فهرس الكتاب
إنه في هذا الموقف لا يشجعهم على الحفاظ على حياتهم، لكن يشجعهم على بذلها في سبيل الله، ولا يجعل همهم غنائم العدو أو بلاده، ولو كانت هذه البلد هي مكة المكرمة، ولكن يجعل همهم دخول الجنة. وشتَّان بين كل ما رأيناه من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ليلة بدر، وما حدث في يوم 28 من يونيو 1098م؛ إذ ما لبث الزعماء المسلمون أن تزعزعوا، وبدأ كل منهم يحاول النَّاي بنفسه وجيشه، وكان من أوائل الذين فروا التركمان بما فيهم دقاق ملك دمشق، وثبت جناح الدولة فترة ثم أسرع بالفرار هو الآخر، ثم فرَّ في النهاية كربوغا نفسه [1] ، وأسرع المسلمون في كل اتجاه، وكانت الأوامر من قادة الصليبيين ألا يلتفت الجيش إلى الأسلاب والغنائم وإنما يتتبعون المسلمين، وهكذا تمت مطاردة شرسة لمسافة ثلاثة كيلو مترات شرق أنطاكية حتى حصن حارم [2] (صورة 1) ، قُتل فيها عدد كبير من المسلمين، ثم عاد الصليبيون ليجمعوا ما لا يحصى من الغنائم والمؤن والسلاح، ووصل كربوغا في فراره إلى الموصل، وكذلك دقاق إلى دمشق.
لقد كانت مأساة حقيقية لهذا التجمُّع الإسلامي!
وما أشد الشَّبه بين هذه التجمعات الفاشلة التي رأيناها، وبين تجمع الجيوش العربية لحرب اليهود في سنة (1367هـ) 1948م في فلسطين، فالجيوش لم تخرج لله، ولم تخرج لتكون كلمة الله هي العليا، ولا تعرف قرآنًا ولا سنة، إنما خرجت لذرِّ الرماد في العيون، أو للحفاظ على مُلك بائدٍ، أو لأخذ نصيب من الأرض، ومَن كانت هذه نواياه فلا يتحقق له نصر أبدًا.
ولنا في التاريخ عبرة!
صارت أنطاكية بذلك مدينة صليبية، ويَئِس المسلمون آنذاك من تحريرها، لكن الصليبيين وجدوا أنفسهم أمام عدة مشاكل ضخمة في أنطاكية، منعتهم من التقدم مباشرة صوب بيت المقدس، الذي كان الهدف الأول من هذه الحملة.
1 -فمن المشاكل الضخمة التي واجهت الصليبيين هو تناقص عددهم بصورة مخيفة؛ فلقد واجهوا السلاجقة منذ لحظة نزولهم في آسيا الصغرى، ومنذ موقعة نيقية في (490هـ) مايو 1097م - أي أكثر من سنة - في عدة معارك، وقُتل من الصليبيين عدد كبير، ثم إن الكثير منهم هلكوا في المسافات الكبيرة التي قطعوها دون غذاء كافٍ أو ماء، وهلك منهم عدد آخر في الحصار الطويل لمدينة أنطاكية، سواء في المرحلة الأولى التي حاصروا فيها المسلمين، أو في المرحلة الثانية التي حاصرهم المسلمون داخل المدينة، ثم هلك منهم عدد آخر في الموقعة الأخيرة ضد كربوغا، وأخيرًا هلك عدد ضخم في الأوبئة التي انتشرت في أنطاكية نتيجة كثرة القتلى.
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 16.