فهرس الكتاب
ثم كان من بوهيموند أن أمر الكاهن وبعض الرهبان بالحفر للبحث عن الحربة المزعومة، ثم أخرجوا حربة من الحَفْر، وقالوا: إن هذه معجزة، وإن هذا الجيش منصورٌ [1] !
وبالطبع فإن هذه قصة لفَّقها بوهيموند وأتباعه لتحميس جيشه، ولا يُقِرُّ عامة المؤرخين بصدق هذه الحادثة، ولا غرابة فهؤلاء القساوسة الذين لفَّقوا الحكاية يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله. وعندنا في عقيدتنا يقينٌ أن المسيح عليه السلام لم يُقتل أصلًا، يقول تعالى: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ) [2] .
فهذه الحربة - ولا شك - فِرْية أرادوا بها رفع معنويات المقاتلين الصليبيين، وقد تحقق لهم مرادهم، وعادت لكثيرٍ من الجند الحماسة، وقرروا الخروج من اليوم التالي مباشرة لحرب المسلمين.
وفي صبيحة اليوم التالي 28 من يونيو 1098م بدأ الصليبيون في الخروج من المدينة للقتال، وأشار المسلمون على كربوغا أن يبدأ في قتالهم قبل أن يكتمل خروجهم، إذ كانوا يخرجون في جماعات صغيرة، غير أنه رفض وأصرَّ على اكتمال خروجهم ثم يبدأ بقتالهم؛ يقول بعض المؤرخين: إن هذا ضيَّع عليه فرصة قتالهم منفردين. ولكن يبدو أنه كان يريد خروجهم بالكامل حتى لا يبقى أحد منهم بداخل المدينة متحصنًا، فخشي إن قاتل الجماعات الصغيرة التي تخرج أن يمتنع بقية الجيش من الخروج [3] ، ومن الواضح أن كربوغا كانت تملؤُه الثقة بالنفس والاعتزاز بالأعداد التي معه، وأغراه حالة البؤس التي كانت عليها الجيوش الصليبية بعد الحصار الطويل، وأيضًا طلبهم منه أن يرفع الحصار. كل ذلك أدى إلى تركه لهم حتى اكتمل عددهم، ورتبوا صفوفهم تحت قيادة كل زعمائهم، وكان ريمون الرابع يتقدمهم وهو رافع للحربة المزعومة.
ودارت معركة شرسة جدًّا أمام أسوار أنطاكية، وكانت الغلبة في البداية للمسلمين، لكنَّ الصليبيين كانوا يقاتلون قتال حياة أو موت، وعلى العكس كان المسلمون يقاتلون للحفاظ على ملكهم وثرواتهم، ومَن قاتل على هذه النوايا فهو لا يريد أن يموت، وهي نوايا لا تصلح أبدًا لجيش مسلم يريد الانتصار. وما أعظم ما قاله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يحفز جيشه ليلة بدر على القتال في صبيحة اليوم التالي! فكان يقول لهم:"وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يُقَاتِلُهُمْ الْيَوْمَ رَجُلٌ فَيُقْتَلُ صَابِرًا مُحْتَسِبًا، مُقْبِلًا غَيْرَ مُدْبِرٍ إلاَّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ" [4] .
(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 16،15، وزابوراف: الصليبيون في الشرق ص107:93،
(2) ( النساء: 157) .
(3) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 137.
(4) ابن هشام: السيرة النبوية 1/ 627، ابن سيد الناس: عيون الأثر 1/ 338، ابن كثير: السيرة النبوية 2/ 420، السهيلي: الروض الأنف 3/ 71.