الصفحة 115 من 390

ثم زاد الطينة بلة، وعظمت الكارثة بظهور فتنة عنصرية في الجيش، حيث نشأ خلاف بين العنصر التركي والعنصر العربي في الجيش، وكان على رأس الأتراك كربوغا قائد الجيوش وأمير الموصل، وكان على رأس العرب أمير اسمه وثاب بن محمود المرداسي، وثارت فتنة زكَّاها رضوان من بعيدٍ برسائله المحفزة للتركمان ضد العرب [1] ! يقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم:

"إِنَّ اللَّهَ - عز وجل - قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالآبَاءِ، مُؤْمِنٌ تَقِىٌّ وَفَاجِرٌ شَقِىٌّ، وَالنَّاسُ بَنُو آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ، لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ فَخْرَهُمْ بِرِجَالٍ أَوْ لَيَكُونَنَّ أَهْوَنَ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ عِدَّتِهِمْ مِنَ الْجِعْلاَنِ الَّتِى تَدْفَعُ بِأَنْفِهَا النَّتَنَ" [2] .

كان هذا هو الوضع في الجيش الإسلامي!

ونعود إلى داخل أسوار أنطاكية؛ لقد شعر بوهيموند - رغم عناده وإصراره - بقرب النهاية, فأرسل في يوم 27 من يونيو 1098م - بعد تسعة عشر يومًا من الحصار - سفارة إلى كربوغا من رجلين أحدهما بطرس الناسك، يعرض عليه فك الحصار وتأمين الجيوش في سبيل رحيلها [3] . وعلى الرغم من التفكك الذي كان في جيش كربوغا إلا أنه خاف أولًا من خيانة بوهيموند وهي خيانة متوقعة، ثم إنه شعر بضعف الصليبيين فطمع في القضاء عليهم تمامًا في معركة فاصلة. ويبدو أنه لم يقدر مدى الضعف الذي يسيطر على جنود الجيوش الإسلامية وقادتها. وهكذا رفض كربوغا السفارة، ومن ثَمَّ لم يعد أمام بوهيموند إلا قرار الحرب، والحرب السريعة قبل أن يهلك الجيش الصليبي من الجوع.

نظر بوهيموند في جيشه فوجد حالتهم النفسية في الحضيض، فأراد أن يرفع من معنوياتهم، ويرسخ عندهم مفهوم النصر الأكيد في المعركة القادمة، فماذا فعل؟!

لقد أشاع بواسطة كاهن من أهل مرسليا اسمه بطرس برتولوني أن القديس أندراوس الرسول ظهر لهذا الكاهن في الحلم ثلاث مرات ليدله على مكان في كنيسة القديس بطرس بأنطاكية، دفنت فيه الحربة التي طعن بها المسيح عليه السلام، وأنهم إذا حفروا ووجدوا الحربة فإنهم يحملونها أمام جيوشهم، وهذا الجيش يتحقق له النصر لا محالة!

(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 136.

(2) أبو داود: كتاب الأدب، باب في التفاخر بالأحساب (5116) ، وأحمد (8721) ، والبيهقي في سنه الكبرى (20851) ، وقال الألباني: حديث حسن (1787) انظر: صحيح الجامع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت