فهرس الكتاب
مقربة من النهاية، فماذا فعل بوهيموند؟! لقد أحرق الدور والبيوت الداخلية، وذلك في (491هـ) يوم 12 من يونيو 1098م؛ ليجبر الجنود على تركها والعودة إلى مواقعهم الأمامية [1] .
لقد كان قائدًا من طراز عجيب! ومع ذلك فالقبضة الإسلامية محكمة حول أنطاكية.
وكان من الممكن أن تكون نهاية جيوش الصليبيين بكاملها، لولا الأحداث المؤسفة التي حدثت في داخل الجيش الإسلامي!! ليتيقن المسلمون من الحقيقة القائلة:"إن أعداءنا لا يُنصرون علينا بقوتهم، ولكن بضعفنا!".
ماذا حدث في الجيش الإسلامي؟!
لقد شعر كربوغا أن جيشه وإن كان كبيرًا إلا أن جيوش الصليبيين أكبر، ولو حدث وخرج الصليبيون للقتال فقد تدور الدائرة على المسلمين إن طال الحصار، ففكر كربوغا أن أفضل طريقة لتقوية الجيش الإسلامي هي إعادة فتح التفاوض مع رضوان بن تتش أمير حلب لينضم إليهم بجيشه؛ فجيش حلب كبير، ورضوان نفسه كفاءة عسكرية معروفة، والأهم من ذلك أن حلب مدينة قريبة وغنية جدًّا، وتستطيع إمداد الجيش الإسلامية بالمؤن اللازمة والسلاح وأدوات الحصار. كانت هذه فكرة كربوغا، وهي فكرة صائبة لا شك، لكنها لا تصلح مع هذه الزعامات الفارغة. إن الأمر وصل إلى إثارة قلق دقاق نفسه [2] ، وغضب من كربوغا، وحدث الشقاق والخلاف في الجيش المسلم، وأعلن دقاق عن رغبته في العودة إلى دمشق، وخاصةً أنه كان يخاف من توسع العبيديين في جنوب الشام [3] ، وهذا - ولا شك - خلق جوًّا من التوتر في الجيش الإسلامي. وأضاف إلى هذا التوتر خوف جناح الدولة حسين بن ملاعب أمير حمص من انتقام يوسف بن أبق أمير الرَّحبة ومَنْبِج الذي كان مواليًا لرضوان، فاعتبر جناح الدولة وجوده في الجيش الإسلامي عداءً لرضوان وحلفائه، ومن ثَمَّ عاش في توتر كبير أثَّر في معنويات الجيش بكامله [4] .
لقد ذاق المسلمون ثمرات الوَحْدة المؤقتة التي حدثت بينهم، وانكمش الصليبيون داخل أنطاكية، وكانوا على أبواب الهلكة، والآن ها هم يتفرقون ليذوقوا ويلات التشتُّت والتشرذم! يقول تعالى: (وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [5] .
(2) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 136.
(4) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 136.
(5) (آل عمران: 150) .