الصفحة 119 من 390

غير أن أعظم المشاكل التي واجهت الصليبيين، هي مشكلة من الذي يجب أن يحكم أنطاكية [1] ؟!

فبوهيموند كما وضحنا كان يجعل هذه قضية مصيرية في حربه من البداية، وما خرج هذا الهدف من ذهنه منذ غادر إيطاليا، وحتى اللحظة التي دخل فيها أنطاكية، واشترط بوضوح على زعماء الحملة الصليبية أن يجعلوا أنطاكية خالصة له إذا بقي معهم للقتال [2] .

هذه كانت أحلام بوهيموند!!

فهل كانت هي الأحلام الوحيدة في القصة؟!

لقد نازعه في حلمه هذا زعيم صليبي آخر في غاية الطموح هو ريمون الرابع كونت تولوز، فهذا الزعيم - وإن كان في بادئ القصة يتظاهر بالتدين والورع واتِّباع رأي البابا، وإعلان أنه لا يستطيع أن يقسم بالتبعية لإمبراطور بيزنطة لأنه يتبع المسيح! وحمله للحربة المزعومة أمام الجيش الصليبي - أظهر عند سقوط أنطاكية مشاعر مختلفة تمامًا! لقد ثار ريمون الرابع على بوهيموند، وقال: إنه لا يستحق فضلًا زائدًا عن بقية الزعماء، وتنكَّر لمواقفه السابقة بإعطاء أنطاكية لبوهيموند حال سقوطها. ولم يكن اعتراض ريمون باللسان فقط، ولكن كان بالسلاح أيضًا! إذ أخذ جيشه وسيطر على بعض الأبراج والأبواب، ورفض التسليم لبوهيموند، واشتعل الجدال في أنطاكية بين مؤيد ومعارض [3] .

ولم يكن ريمون هو الوحيد الذي ينازع بوهيموند إمارة أنطاكية، فهناك الإمبراطور البيزنطي الذي يجد أنطاكية حقًّا دينيًّا وتاريخيًّا وجغرافيًّا للدولة البيزنطية، وفوق ذلك فهناك اتفاقية القسطنطينية التي عقدت سنة 1097م، وتقضي بتسليم المدن البيزنطية القديمة وعلى رأسها أنطاكية للدولة البيزنطية [4] .

فلمن يكون حكم أنطاكية؟!

إن هذا الصراع ليدلنا بأقوى الأدلة أن هؤلاء الزعماء ما خرجوا خدمة للدين ولا حماية للصليب، ولا طمعًا في إرضاء المسيح عليه السلام. إننا رأينا من الجميع - تقريبًا - رغبة حميمة في تحقيق المجد الشخصي، بصرف النظر عن الواجب الديني الذي خرجوا من أجله.

فهاهو الإمبراطور البيزنطي الذي طلب النجدة من البابا وصوَّر حال الحجيج النصارى بشكل بائس، ها هو لا يحمل همًّا سوى توسيع سيطرته على المدن التي أخذها السلاجقة قبل ذلك،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت