الصفحة 120 من 390

وعند أول اختبار حقيقي لشجاعته وتجرُّدِه أثناء حصار أنطاكية إذا به يتقاعس، ويرفض القدوم تاركًا الحملة الصليبية تواجه مصيرها، مع أنها من المفترض أنها جاءت لمساعدته!

وها هو بلدوين ينعزل عن الجيش ويقنع بإمارة الرها، ولا يفكر في إكمال الرحلة إلى بيت المقدس!

وها هو بوهيموند يقنع كذلك بإمارة أنطاكية، ويتحايل على الجميع لكي يضمن لنفسه ملكًا، بصرف النظر عن قضية القدس، وبصرف النظر عن حقوق غيره وأطماعهم!

وها هو بطرس الناسك يهرب من حصار أنطاكية الصعب، ويجبره تانكرد على الرجوع ذليلًا مهينًا!

وها هو تانكرد من قبل يتصارع مع بلدوين على طرسوس حتى رفعوا السلاح على بعضهم البعض!

وها هو كذلك ستيفن دي بلوا يترك الجمل بما حمل، ويأخذ جيشه ويقفل عائدًا إلى فرنسا في اللحظات الأخيرة من الحصار، عندما أدرك أن أحلامه في الملك تبددت!

إن جميع المحتلين يرفعون شعارات برَّاقة خادعة للسيطرة على عقول شعوبهم وجيوشهم، وأيضًا لتخدير الشعوب المحتلة وتسكيتها؛ فهذا يقاتل من أجل المسيح، وذاك يدافع عن الحجيج، وهؤلاء يريدون استقرار الديموقراطية، وأولئك يدافعون عن حقوق الإنسان.

وهكذا تبدو حروبهم من أجل الفضيلة، والأصل أنها لا لشيء إلا للأمجاد الشخصية والأطماع الذاتية!

ماذا يفعل الزعماء الصليبيون إزاء هذه المشكلة العظمى؟!

لقد عقد الزعماء الصليبيون اجتماعًا مهمًّا في أوائل يوليو 1098م يقررون فيه مصيرهم ومصير أنطاكية ومصير بيت المقدس. إن طاقتهم الآن هزيلة عن بلوغ بيت المقدس، وخاصةً أنهم سيحاربون هناك جيشًا مستريحًا مستقرًّا، وهم لا غنى لهم عن الدولة البيزنطية في هذه المعركة القادمة، ومن ثَمَّ فهم سوف يطلبون طلبًا صريحًا من الإمبراطور البيزنطي أن يساندهم في هذا المشروع، لكن الإمبراطور البيزنطي لن يقبل بالمساعدة إلا إذا أخذ أنطاكية، ومن هنا اتفق الزعماء بما فيهم بوهيموند وريمون على تسليم أنطاكية إلى الإمبراطور البيزنطي، بشرط أن يأتي بنفسه على رأس جيش كبير يشاركهم في احتلال بيت المقدس. ولم يستطع بوهيموند أن يعترض في هذا التوقيت؛ لأنه كان يعلم أن قوتهم قاصرة عن إتمام هذه المهمة وهم في هذه الحالة الواهنة، وعلى ذلك فإذا جاء الإمبراطور

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت