البيزنطي فسوف يساعدهم في تحقيق أحلام أوسع، وإذا لم يأتِ لم يسلموا له أنطاكية، وعندها يفتحون ملف أنطاكية من جديد ليروا من أحق الزعماء بها. [1]
استقر على ذلك الأمراء الصليبيون، وأرسلوا رسالة إلى الإمبراطور البيزنطي يطلبون منه فيها أن يأتي لتسلُّم أنطاكية بشرط المساعدة في احتلال بيت المقدس.
ماذا كان ردُّ فعل الإمبراطور البيزنطي لهذه الرسالة؟!
لقد كان الإمبراطور ألكسيوس كومنين نفعيًّا إلى أقصى درجة، فهو يريد أن يجني ثمار دون تضحية، ثم إنه كان خبيثًا يريد أن يمسك بكل أطراف اللعبة في يده، وليس عنده مانع أن يتحالف مع عدو أو أن يخون صديقًا!
لقد أراد الإمبراطور أن يستغل الجيش الصليبي في كسر المقاومة الإسلامية دون أن يعطيهم شيئًا، وقد خَبُرهم في آسيا الصغرى، ورأى أنهم سلموه كل المدن، وهم وإن كانوا يطمعون في أنطاكية الآن فإنهم لن يستطيعوا الصمود طويلًا بعيدًا عن بلادهم. إنه أراد أن يستنفزهم لأقصى درجة، فيقتلون المسلمين ويقتلهم المسلمون، حتى إذا خلت المنطقة من الأقوياء تقدم الإمبراطور ليتسلم كل الميراث بجهد يسيرٍ أو دون جهد!
إنها خطة خبيثة تقوم بها الكثير من الدول الاستعمارية ذات الخبرة الطويلة في المؤمرات والمكائد! إنها تدفع فريقًا ليحارب فريقًا آخر، وقد تدل كل فريق على عورات الآخر، حتى إذا فنيت القوتان دخلت هي لتجمع كل الثمرات.
ومن هنا فكر الإمبراطور أن يتريث في الأمور، ولا يرفض رفضًا باتًّا؛ لكي لا يوغر صدور الصليبيين، ولا يقدم قدومًا سريعًا فيوغر صدور العبيديين المسيطرين على بيت المقدس الآن؛ ولذلك فقد قرر الإمبراطور أن يتجاهل الرد على الرسالة حتى يمر بعض الوقت، وتزداد الأزمة اشتعالًا [2] !
من جانب الصليبيين فقد وجدوا أن الإمبراطور لا يرد طلبهم، وهم لا يستطيعون البقاء فترة طويلة دون الانتهاء من مهتمهم؛ ولذلك قرروا تحديد موعد لغزو بيت المقدس بصرف النظر عن موافقة الإمبراطور، وكان هذا الموعد في (491هـ) نوفمبر 1098م، بعد أن تخف درجة الحرارة [3] .
أما الإمبراطور البيزنطي ألكسيوس كومنين فلم يكتف باللعب بزعماء الصليبيين، ولكن أراد أن يتعامل مع الجهة الأخرى أيضًا، فتراسل مع العبيديين بمصر وهو يعرض عليهم صورة من صور التعاون! ولكن لسوء حظِّه وقعت رسالته إلى العبيديين في قبضة الصليبيين، فأدركوا أنه يلعب بهم [4] .
هنا قرَّر زعماء الحملة الصليبية أن يخرجوا بمفردهم إلى بيت المقدس ولكن بعد الاستعداد الكافي عن طريق جمع المؤن، وتثبيت الأقدام في أنطاكية وما حولها؛ ولذلك أمضى زعماء الصليبيين شهري أغسطس وأكتوبر في بعض الحملات في المناطق المحيطة بأنطاكية [5] ، وفي هذه الأثناء كان بوهيموند يحاول أن يظهر دائمًا في صورة أمير أنطاكية الأوحد [6] .
وفي يوم 5 من نوفمبر 1098م عقد الصليبيون اجتماعًا قرروا فيه الزحف صوب بيت المقدس [7] . ومن جديدٍ برزت مشكلة إمارة أنطاكية، وتنازع الزعيمان بوهيموند وريمون الأمرَ، وأعلن بوهيموند العصيان المباشر على إمبراطور الدولة البيزنطية، وأكد ذلك بعزل حنا الرابع من الكنيسة الأرثوذكسية؛ ليصبح بذلك أميرًا لأنطاكية وغير متقيد مطلقًا بالقسطنطينية [8] ، غير أن الأمير ريمون وجد أنه لكي يستولي على أنطاكية فإنه يجب أن يوالي الإمبراطور ألكسيوس كومنين ليتغلب على بوهيموند، وهكذا أدت المصالح إلى اختلاف الولاءات اختلافًا بيِّنًا!! فهذا بوهيموند الذي كان أقرب الأصدقاء إلى الإمبراطور البيزنطي يعلن العصيان ليتملك أنطاكية، ناسيًا يمينه الذي أقسمه بالتبعية للإمبراطور، وهذا ريمون الذي رفض أن يقسم بالتبعية للإمبراطور يعلن أنه يقف إلى جواره [9] !!
وتعالت الأصوات، وكاد السلاح يعلو أيضًا بين الزعيمين الصليبيين!
واستاء بقية الزعماء جدًّا وأيضًا الجند، وحدثت ثورة عجيبة في أنطاكية، حيث قرر الزعماء والجند معهم أن يهدموا أسوار أنطاكية إذا لم يكفّ الزعيمان عن حربهما، وساعتها سيتركونهم مكشوفين للبيزنطيين والمسلمين على حدٍّ سواء، وسوف يتجه الجيش بكامله إلى بيت المقدس [10] .
هنا شعر بوهيموند وريمون بالخوف الشديد أن ينفذ الصليبيون تهديدهم، فجلسوا في هدوء ليبحثوا حلاًّ للموضوع، ولكي يقطعوا الوقت ويشغلوا الناس حتى الوصول إلى حلٍّ قرروا الخروج جميعًا في حملة إلى معرة النعمان، وهي إلى الجنوب الشرقي من أنطاكية، وهي من أعمال الحلب [11] ، وحاصرها الصليبيون بالفعل، واستعانت أهلها برضوان ملك حلب إلا أنه لم يعرهم اهتمامًا يذكر [12] ، وكان أن استسلمت المدينة في (492هـ) 11 من ديسمبر 1098م للصليبيين بعد أن
(12) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 142،141.