فهرس الكتاب
أمَّا جودفري بوايون فقد رأى رأيًا آخر، لقد رأى أن انتظار الإمبراطور تضييعٌ للوقت وللجهد، وبِنَاء لقصور من الرمال، وأنه من الأصلح أن تتوجَّه الجيوش مباشرة إلى بيت المقدس [1] ، خاصَّة أن المقاومة الإسلاميَّة منعدمة في هذه المناطق حتى الآن.
وتَنَازَعَ الزعيمان، وظهر التوتُّر بينهما، والقضية لم تكن خالصة للربِّ؛ فريمون له أطماع في طرابلس، وجودفري له أطماع في بيت المقدس، والأطماع متعارضة وإن كان الجيش واحد!!
وقف الزعماء جميعًا مع رأي جودفري بوايون، وهذا رفع أسهمه أكثر وأكثر، وصار فعليًّا القائد الأعلى للجيوش الصليبيَّة [2] ، وعاند ريمون وأصرَّ على استكمال حصار عِرْقَةَ حتى إسقاطها، على الرغم من مرور أكثر من شهرين على حصارها دون فائدة [3] .
وتأزَّم الموقف ومرَّت الأيام!!
وأخيرًا، وفي (492 هـ) 13 من مايو 1099 م، وبعد حصار ثلاثة أشهر ونصف، اضطر ريمون لرفع الحصار لفشله في إسقاط المدينة الصغيرة عِرقة [4] ، ولا شكَّ أن إسقاط طرابلس ذاتها سيكون أصعب وأصعب، ونزل ريمون على رأي جودفري وبقية الزعماء وقبلوا بجزية فخر الملك بن عمَّار [5] ، وأكملوا الطريق إلى بيت المقدس، بعد أن فقدوا وقتًا غاليًا، خاصَّة أن شهور الصيف قد قاربت على البدء، وهكذا بدأ الصليبيون في الاستعداد للرحيل، إلا أنهم فوجئوا بسفارة عبيدية مصرية تأتيهم عند أسوار طرابلس!!
ماذا يُريد العبيديون؟!
لقد جاءت السفارة محمَّلة بالأموال الغزيرة والهدايا الثمينة لكل قائد من قوَّاد الحملة، وبعرضٍ من الدولة العبيدية أن تسهِّل حجَّ الصليبيين وكل النصارى إلى بيت المقدس (المحكوم حتى هذه اللحظة بالدولة العبيدية) ، على أن يدخل الحجاج إلى القدس غير مسلَّحين [6] ، وسوف تقرُّ الدولة العبيدية الصليبيين على ما تحت أيديهم من بلاد، سواء في آسيا الصغرى أو سوريا أو لبنان.
هكذا!!
ولكنَّ الصليبيين فاجئوا السفارة بالردِّ الساخر، أنهم سيتمكَّنون من أداء الحج كما يريدون ولكن ليس بمساعدة الدولة العبيدية، وهذا يعني إعلانًا مباشرًا للحرب [7] ، إذ كيف سيدخلون البلد دون سماح حُكَّامها؟!
والحقُّ أن الموقف يحتاج إلى نظرة وتدبُّر، وعودة للوراء قليلًا لنعرف شيئًا عن الدولة العبيدية، وعن تاريخ بيت لمقدس في هذه الفترة.
إن بعض المؤرِّخين - سواء من القدامى أو من المحدثين - يتعجَّبون من ردِّ فعل الدولة العبيدية تجاه الحملة الصليبية، ومن حالة المعاملة الفجَّة التي ظهرت في أقوالهم وأفعالهم، ومن بعض المواقف التي لا تُوصَف بأقل من أنها مخزية ومشينة [8] ، ومع ذلك فالذي يُرَاجِع التاريخ يجد أنه لا عجب مطلقًا فيما رأيناه من ردِّ فعلٍ للدولة العبيدية تجاه الحروب الصليبية.
لقد كان من أهداف الدولة العبيدية الرئيسية منذ قامت هي أن تُحَارِب المسلمين السُّنَّة في كل مكان، فقد حاربت أهل السُّنَّة في المغرب، وقتلت العلماء والعُبَّاد، وكان ذلك في سنة 296 هـ، ثم جعلت من همِّها أن تحارب الدولة السُنِّيَّة في الأندلس، بل وتعاونت مع الصليبيين في شمال الأندلس ضد دولة عبد الرحمن الناصر رحمه الله، ثم اجتاحت شمال إفريقيا، واحتلت مصر سنة 358 هـ\ 969 م، وفعلت بعلمائها السُّنَّة مثلما فعلت في المغرب، ثم توسَّعت في نفس السنة في الشام، واحتلت بيت المقدس وكذلك دمشق [9] ، ودام هذا الاحتلال أكثر من مائة سنة، لقد بقِيَ العبيديون في بيت المقدس حتى حرَّرها ألب أرسلان رحمه الله عن طريق قائده أتسز (الأقسيس) ، وذلك في سنة (463 هـ) 1071 م [10] ، ثم دخل بيت المقدس في مُلْكِ تتش بن ألب أرسلان سنة (471 هـ) 1079 م [11] ، وتولَّى الإمارة حينئذ أرتق بن أكسب، ثم ابنه سكمان بن أرتق سنة (485 هـ) 1091 م تحت ولاية دقاق بن تتش مَلِكِ دمشق [12] .
ولكن العبيديين لم يُسَلِّموا بضياع بيت المقدس وفلسطين من أيديهم؛ ولذلك رحبوا بقدوم الصليبيين إلى آسيا الصغرى والشام لكي يشغلوا الأتراك السُّنَّة وينفردوا هم ببيت لمقدس وفلسطين [13] ؛ ولذلك فقد استغلَّ العبيديون فرصة انشغال الأتراك في حرب الصليبيين، ووجَّهوا قوتهم
(3) المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص 276، وذكر ابن الأثير أن الحصار دام أربعة أشهر الكامل في التاريخ 9/ 16.
المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص 277.
(8) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 14،13.
(9) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 7/ 309، وابن كثير: البداية والنهاية 11/ 266،267.
(10) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 390
(11) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 418.
(12) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص 135.
(13) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 191.