الصفحة 127 من 390

لغزو بيت المقدس سنة (490هـ) 1097م، واستولَوْا عليه بالفعل [1] ، بل ولم يتورَّعوا عن القيام بمفاوضات مع الصليبيين لإقرارهم على الشام في مقابل إقرار الصليبيين لهم على فلسطين كما وضَّحْنَا [2] .

إنه تاريخ طويل من الخيانة والعمالة والطعن في ظُهُورِ المسلمين السُّنَّة.

أمَّا الصليبيون فقد أخذوا قرار احتلال فلسطين، وخاصَّةً بيت المقدس (خريطة 16) ، فلا مجال عندهم الآن للتفاوض مع العبيديين، ومن ثَمَّ كان ردُّهم الساخر على سفارتهم.

وهكذا ترك الصليبيون طرابلس ووصلوا إلى بيروت فصيدا ثم صور، والمسلمون في كل ذلك يتجنَّبونهم بالهدايا والأموال لكيلا يتعرضوا للإيذاء، ثم اخترقوا لبنان إلى فلسطين، وعبروا نهر الكلب، وهو الحدُّ الفاصل آنذاك بين أملاك السلاجقة وأملاك الدولة العبيدية، فمرُّوا بعكا فقام أميرها العبيديّ بتمويلهم بالطعام والمؤن، ووعد بالدخول في طاعتهم بعد سقوط بيت المقدس [3] !

ثم مرَّ الصليبيون بقَيْسَارِيَة ثم أُرْسُوف [4] ، [5] ثم غيَّروا طريق الساحل، وشقُّوا البلاد شرقًا إلى الداخل صوب بيت المقدس، واحتلُّوا في طريقهم الرَّمْلَة، وهي مدينة صغيرة، ولكنها تسيطر على الطريق الواصل من بيت المقدس إلى ساحل البحر الأبيض المتوسط، فسيطر عليها الصليبيون ليؤمِّنوا طريقهم بعد ذلك إلى البحر [6] ؛ حفاظًا على إمدادات السفن والأساطيل الأوربية، وفي هذه المدينة (الرملة) توقَّف الصليبيون ليعقدوا اجتماعًا مهمًّا لتحديد خطوات الغزو، وكان ذلك في (492هـ) أوائل يونيو 1099م.

لقد بحث الصليبيون في هذا الاجتماع نقطة مهمة تُفَسِّر خطوات مستقبليَّة في الحملات الصليبيَّة، لقد ناقشوا قضيَّة غزو القاهرة وإسقاط مصر [7] !!

لقد فهم الصليبيون في ذلك الوقت المتقدِّم أن مفاتيح بيت المقدس موجودة في القاهرة، ولم يكن هذا فقط لأن العبيديين يُسيطرون على بيت المقدس الآن؛ فقد اتضح للصليبيين مدى هلعهم من قوَّة الصليبيين، ولكن للبُعْدِ الإستراتيجي المهمِّ لهذا البلد الكبير مصر، والذي يحدُّ فلسطين من جنوبها وغربها، والذي به طاقة بشريَّة ضخمة، وإمكانيات اقتصاديَّة عالية، وشعور فطريّ بالتقارب مع فلسطين، وخاصَّة فيما يتعلق ببيت المقدس، وبه المسجد الأقصى؛ لذلك فكَّر الصليبيون في هذا الاجتماع في قضية غزو مصر، غير أنهم وجدوا أن قوتهم غير كافية لهذه الخطوة الجريئة، خاصة أن عليهم إذا فعلوا ذلك أن يجتازوا حاجزًا صحراويًّا صعبًا وهو صحراء سيناء، وقد تهلك فيه القوة الصليبية؛ ولذلك عدلوا عن هذا الرأي، وقرَّروا التوجُّه مباشرة إلى بيت المقدس، لكن هذا الاجتماع أظهر فكرة ظلَّت مسيطرة على عقول قادة الحروب الصليبية وخلفائهم، والتي وُضِعت بعد ذلك موضع التنفيذ في الحملتين الخامسة والسابعة من الحملات الصليبية، حيث تمَّ غزو مصر غزوًا صريحًا [8] .

والسؤال:

أين الجيوش الإسلاميَّة في طول هذه المسافة التي قطعها الجيش الصليبي من أنطاكية إلى بيت المقدس، وهي مسافة تزيد على ستمائة كيلو متر؟!

أليس في هذه المناطق كلها رجل رشيد؟!

لقد افتقد المسلمون في هذه الآونة لمقوِّمات رئيسية من مقومات قيام الأُمَّة؛ لذلك قَبِلَتْ جموع المسلمين أن تَحُثَّ هذه الأقدام النجسة على طريقها إلى مسرى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وأُولَى القبلتين وثالث الحرمين، وإلى الأرض المباركة، دون أن يتحرَّك لهم ساكن؛ ولذلك حُصِر المسلمون في بيت المقدس!

لقد عانى المسلمون في هذا الوقت من أمراضٍ شتَّى.

لقد عانَوْا من بُعْدٍ عن الدين، وغياب للحميَّة الإسلاميَّة، وافتقاد للنخوة المستندة إلى عقيدة قويَّة صحيحة.

وعانوا كذلك من فُرقة مؤلمة، وتشتُّت فاضح، حتى صارت كل مدينة إمارة مستقلة، ودويلة منفصلة، بل ومتصارعة مع جيرانها المسلمين.

وعانوا أيضًا من افتقار لزعامة مخلصة متجرِّدة، تجمع الشتات في كيان واحد، وترغب في رفعة هذه الأمة دون نظر إلى مصالح الذات ورغبات النفس.

كما عانى المسلمون فوق ذلك من رؤية واضحة للواقع الذي يعيشونه، وللأخطار المحدقة بهم، وعانوا أيضًا من نقص حادٍّ في الدراية السياسية أو الكفاءة العسكريَّة.

لقد كانت الأُمَّة تمرُّ فعلًا بأزمة مركَّبة معقدة!

لكن إن كنا نتعجب من موقف الأمة وتخاذلها، فإن العجب يأخذنا وبشكل أكبر من موقف الصليبيين! كيف أَمِنُوا على أنفسهم أن يخوضوا كل هذه المسافات في عمق العالم الإسلامي، وهم لا

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.

(3) توديبو: تاريخ الرحلة إلى بيت المقدس ص299:294، وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحر 1/ 358، والمؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277.

(4) أرسوف: مدينة على ساحل بحر الشام بين قيسارية ويافا. ياقوت الحموي: معجم البلدان 1/ 151.

(6) المؤرخ المجهول: أعمال الفرنجة وحجاج بيت المقدس ص277، فوشيه الشارتري: تاريخ الحملة إلى القدس ص70، وليم الصوري: تاريخ الأعمال المنجزة في ما وراء البحر 1/ 400.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت