فهرس الكتاب
يشعرون بخوفٍ ولا وَجَلٍ؟! إنهم يتوغلون في كثافة بشريَّة عالية جدًّا، ومحصورون بين عدة إمارات تحوي عدَّة جيوش مسلمة، والمسافة بينهم وبين أوطانهم بعيدة هائلة، فلو هُزِمُوا سُحِقُوا، وليس لهم مهرب ولا منجى!
كيف استطاعوا أن يتغلَّبوا على الخوف الفطريّ للبشر، وقَبِلُوا بهذه المغامرة الخطيرة؟!
إن الإجابة بأنهم خرجوا من ظروف صعبة جدًّا في أوربا - كما فسرْنَا في أوَّل الكتاب - جَعَلَت الحياة هناك أقرب إلى الموت، وجعلت طموحهم في ترك واقعهم الأليم يطغى على أية رغبة أخرى، وجعلت الموت في أرض فلسطين لا يفترق كثيرًا عن الحياة في أوربا الفقيرة آنذاك. إن هذه الإجابة فقط لا تشفي الغليل، ولا تفسِّر عدم الرهبة، وقلَّة الاكتراث الذي رأيناه في الجيوش الصليبية؛ فالروح عزيزة على النفس، وخاصَّةً إن لم يكن الإيمان باليوم الآخر والجنة وازعًا قويًّا يدفع إلى الموت.
فما تفسير هذه المعادلة الصعبة؟
ولماذا بدت الشجاعة في قلوب الصليبيين واضحة جليلة؟!
إن هذا يفسره لنا حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي رواه ثوبان - رضي الله عنه -، وبه يفسِّر الأوضاع وكأنه يراها رأي العين؛ قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمْ الأُمَمُ مِنْ كُلِّ أُفُقٍ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا". قَالَ: قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَمِنْ قِلَّةٍ بِنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ:"أَنْتُمْ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ، وَلَكِنْ تَكُونُونَ غُثَاءً كَغُثَاءِ السَّيْلِ، يَنْتَزِعُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ عَدُوِّكُمْ، وَيَجْعَلُ فِي قُلُوبِكُمْ الْوَهْنَ". قَالَ: قُلْنَا: وَمَا الْوَهْنُ؟ قَالَ:"حُبُّ الْحَيَاةِ وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ" [1] .
إن الأمم الغربيَّة التي تداعت من فرنسا وإيطاليا وإنجلترا وألمانيا لم تأتِ بهذه القوة والشجاعة إلاَّ لأنَّ الله - عز وجل - نزع الرهبة من قلوبها من جموع المسلمين، فصاروا لا يكترثون بهم ولا بأعدادهم وحصونهم وسلاحهم، ورأينا اجتماعات الصليبيين لا تُعَبِّر أبدًا عن خوف في صدورهم، أو عن قلق من مقاومة المسلمين، إنما يتحرَّكون هنا وهناك بحرية تامَّة، وباطمئنان كامل!!
والمسلمون على الجانب الآخر أُلقى في قلوبهم الوَهْن والضعف والخَوَر، فيرتعبون لرؤية الجنود الصليبيين، ولو كان الصليبيون أقلَّ منهم في العدد، وأضعف منهم في العُدَّة.
ولنا مع الحديث وقفتان، وإن كانت وقفاته كثيرة:
أمَّا الوقفة الأولى: فهي أن الله - عز وجل - هو الذي ينزع الرهبة مِنَّا من قلوب أعدائنا، وهو الذي يلقي في قلوبنا الوهن! وقد يقول قائل: ولماذا يفعل ربنا ذلك، مع أننا في النهاية مؤمنون، وهم
(1) أبو داود: كتاب الملاحم، باب في تداعي الأمم على أهل الإسلام (4297) ، وأحمد (22450) واللفظ له، والطيالسي (992) ، وابن أبي شيبة في مصنفه 7/ 463، والبيهقي في شعب الإيمان (10372) ، وأبو نعيم في الحلية 1/ 182، وقال الألباني: صحيح (8183) صحيح الجامع.