فهرس الكتاب
كافرون؟! فنقول: إن الله - عز وجل - أَبَى أن يُعِزَّ المسلمين إلا إذا ارتبطوا بالإسلام، والتزموا بالقرآن والسُّنَّة، ولو نَصَرَهُم وهم يُفْرِطون في الشرع لصارت فتنة عظيمة؛ إذ سيقول الناس: إننا لسنا في حاجة للإسلام، فقد نُصِرْنَا بغيره؛ لذلك تحدث مثل هذه المواقف العجيبة ليلتفت المسلمون إلى دينهم، وليضع المسلمون أيديهم على مفاتيح النصر الحقيقيَّة.
أما الوقفة الثانية: فإنها مع السبب الذي من أجله حدثت كل هذه التداعيات المؤلمة، إنَّ وصف الحدث والمأساة أخذ كلمات كثيرة، ولكن السبب وراء كل ذلك لم يأتِ إلاَّ في جُمْلَتين قصيرتين: حُبّ الدنيا، وكراهية الموت.
إن المسلمين تعلَّقوا بالدنيا تعلُّقًا غير مقبول، حتى صاروا يكرهون الموت في سبيل الله، وأُمَّة ترهب الموت لا بُدَّ أن تُقْهَر، وأُمَّة تعشق الدنيا لا بُدَّ أن تذلَّ، والدنيا ملعونة كما ذكر رسولنا - صلى الله عليه وسلم -، والمتمسِّك بها يهلك، ليس هذا فقط بل وتضيع منه الآخرة.
إن هذا السبب يُفَسِّر لنا التخاذل الرهيب الذي رأيناه من جموع المسلمين التي كانت تخرج إلى الصليبيين وهي تحمل الهدايا النفيسة، والأموال الطائلة، لكي يتركونهم"يعيشون"! مجرَّد حياة، أيًّا كانت هذه الحياة، وهذا - والله - هو الهوان بعينه.
هكذا حُصِرَ المسلمون المتمسِّكون بدُنياهم في بيت المقدس، وراقب المسلمون البعيدون عن القدس الموقف في سكون، ينتظرون اليوم الذي ستدور عليهم فيه الدوائر!!
غادر الصليبيون الرملة في (492هـ) 6 من يونيو 1099م، ووصلوا حول أسوار بيت المقدس في (492هـ) 7 من يونيو 1099م. لقد وصلوا إلى المحطَّة الأخيرة في الخُطَّة التي وضعها البابا أوربان الثاني في كليرمون بفرنسا قبل هذا الموقف بأكثر من ثلاث سنوات ونصف.
ويفيض هنا المؤرخون الأوربيون في وصف مشاعر الصليبيين عندما رأوا المدينة المقدسة [1] ! وليس هذا إلاَّ لتجميل الوجه القبيح للغزو الصليبي البشع، فهذه الجموع كثيرًا ما تردَّدت في الوصول إلى هذا المكان؛ لأنهم قَنَعُوا في الطريق بممالك أخرى، وهذه الجموع تنازعت كل أنواع الدنيا من مال وأسلاب وأملاك وزعامة، وهذه الجموع أقسمت الأَيْمان ثم غدرت، وهذه الجموع سترتكب في داخل المدينة المقدسة ما تخجل منه الإنسانية جميعًا!!
بدأ الحصار المحكم حول المدينة في يوم 7 من يونيو 1099م.
ولم يُضَيِّع الصليبيون وقتًا، بل أخذوا يقصفون المدينة معتمدين على عدد كبير من آلات الحصار كانوا يصحبونها معهم [2] ، ولم يمْلِك المسلمون في داخل المدينة إلاَّ محاولة المقاومة اليائسة، والمطاولة قَدْرَ ما يستطيعون.