فهرس الكتاب
وتُرِكَت المدينة بلا جيش!
وانطلق الصليبيون الهمج ليستبيحوا المدينة المستسلمة، ولم يجد السكان المذعورون أملًا في النجاة إلا في الاعتصام بالمسجد الأقصى؛ لعل الصليبيين يحترمون قدسيَّة المكان، أو حُرمة دُور العبادة، لكن هذه المعاني لا تشغل عقول الصليبيين، لا من قريب ولا من بعيد [1] !
وذُبح في المسجد الأقصى سبعون ألف مسلم، ما بين رجل وامرأة وطفل!! وهؤلاء هم كل سكان المدينة تقريبًا، فقد صُفِّيَتْ تمامًا، ولم ينجُ منها إلا الحامية العسكريَّة العبيديَّة [2] !
هذه هي الحملة الدينيَّة التي جاءت من أجل الربِّ، وخدمة للمسيح عليه السلام!
وصمة عار حقيقية في جبين أوربا لا تُنْسَى على مرِّ العصور!
لقد ذكر وليم الصوري - وهو أحد مؤرِّخي الحرب الصليبية - أن بيت المقدس شهد عند دخول الصليبيين مذبحة رهيبة، حتى أصبح البلد مَخَاضَة واسعة من دماء المسلمين، أثارت الرعب والاشمئزاز [3] .
بل وذكر مؤرِّخ معاصر للحروب الصليبية أنه عندما زار الحرم الشريف غداة المذبحة الرهيبة التي أحدثها الصليبيون فيه، لم يستطع أن يشقَّ طريقه وسط أشلاء المسلمين إلاَّ في صعوبة بالغة، وأن دماء القتلى بلغت ركبتيه [4] !
والجدير بالذكر أن القتل في هذا اليوم لم يكن خاصًّا بالمسلمين فقط، بل عانى منه اليهود أيضًا، فلقد جمع الصليبيون اليهودَ في الكَنِيسِ ثم أحرقوه عليهم [5] !
لقد كانت مجزرة تَطَهُّر عرقيّ بمعنى الكلمة.
ومع وصول الخبر إلى كل بقاع العالم الإسلامي سادت موجة كئيبة من الحزن والكمد، ولكنه - للأسف - كان حزنًا سلبيًّا، بل كان حزنًا مُقعِدًا شلَّ المسلمين عن الحركة، فلم نسمع عن حركة جيش لتحرير الأقصى والقدس وفلسطين، كما لم نسمع آنذاك نداءً شعبيًّا يُطالِب الحكام بحمل المسئولية [6] .
لقد كانت أزمة دينيَّة أخلاقية، شملت الشعوب جميعًا بحكَّامها ومحكوميها.
(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 19، ولم يقتصر الأمر على ابن الأثير فقد ذكر هذه الواقعة بعض المؤرخين المسيحيين الشرقيين مثل ابن العبري الذي قال:"ولبث الفرنج في البلد أسبوعا يقلون فيه المسامين، وقتل بالمسجد الأقصى ما يزيد على سبعين الفا ..."ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص197، وكذلك ذكر متى الرهاوي: أن عدد من قتلهم الصليبيون من المسلمين زاد على خمسة وستين ألف. Doc. Arm, 1, p. 45.
(5) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص137.
(6) ابن تغري بردي: النجوم الزاهرة 5/ 150.