فهرس الكتاب
وفي نفس الوقت عمَّت الفرحة أرجاء العالم المسيحي؛ فبيت المقدس لم يُحكم بالنصارى منذ خروج الدولة النورمانية منذ العام 16هـ\ 637م، أي منذ أكثر من أربعمائة وسبعين سنة، وبيت المقدس كان الهدف الرئيسي المُعلَن للحملة الصليبية، ومعنى هذا أن هذا هو أدلُّ برهان على نجاح الحملة وخطتها، ونجاح البابا أوربان الثاني فيما خطط له، لكن من الجدير بالذكر أن البابا أوربان لم يسعد بسماع أخبار سقوط بيت المقدس في أيدي جنوده، فقد مات في 29 من يوليو 1099م، أي بعد سقوط بيت المقدس بأسبوعين، لكن الخبر ينتقل من القدس إلى روما في وقت أطول من هذا بكثير، ومن ثَمَّ فقد ترك الدنيا دون أن يعرف أن ثمرة جهده على وجه التحقيق [1] ! وما نحسب أنه كان سيحزن للمذابح التي ارتكبت باسم المسيح في بيت المقدس؛ لأنه شاهد قبلها مذابح أنطاكية ومعرَّة النعمان ولم يتكلم، بل وشاهد مذبحة سملين ضد نصارى المجَرِ ولم يتحرك، كما أن البابا الذي تولى مكانه - وهو باسكال الثاني - لم يُعَلِّق على الأمر مطلقًا، بل ولم يُعَلِّق عليه أيٌّ من البابوات على مر التاريخ، مع اعتراف جميع المؤرخين بأن هذه الحادثة البشعة راح ضحيتها عشرات الآلاف من المدنيين الأبرياء، ومع أنَّ بعض البابوات اعتذروا لليهود عن مذابح هتلر لهم، بل ورفعوا من على اليهود إثم تهمة قتل المسيح - عليه السلام -، مع قناعة المسيحيين - على خلاف عقيدتنا - أنه قُتل.
لقد صار السكوت على هذه الجريمة المنكرة أمرًا مطَّردًا وكأنه عقيدة يتوارثها الناس، وهذا إن دلَّ على شيء فإنما يدلُّ على أن الروح الصليبية القاسية التي قادت الجيوش إلى مثل هذه الأفعال ما زالت تسري في أجساد كثير من القادة، سواء القادة المدنيين أو العسكريين أو الفكريين.
ونعود إلى بيت المقدس!
بعد أن خمدت الحركة تمامًا في بيت المقدس، واختفى المسلمون كُلِّيَّة من المدينة، دخل زعماء الحملة الصليبيَّة في مساء يوم سقوط القدس إلى كنيسة القيامة ليُصَلُّوا للربِّ على توفيقهم في هذا العمل [2] ، فلا شك أن كلاًّ منهم كان يُصَلِّي للربِّ أيضًا أن يُوَفِّقه في"حُكْمِ"المدينة المقدسة!! ودليل ذلك ما حدث بعد يومين من السيطرة على المدينة، وتحديدًا في 17 من يوليو 1099م حيث اجتمع الزعماء المتناحرون الطموحون لتنازع سلطة حكم بيت المقدس [3] !
من يحكم بيت المقدس؟
إن القضية شائكة جدًّا، والأطراف المتنازِعة عليها كبيرة وكثيرة، وليس الإغراء في قصَّة بيت المقدس إغراء ثروة ومُلْكٍ فقط، بل هو إغراء شرف ورفعة كذلك؛ فالذي سيحكم بيت المقدس سيُصبح قِبْلَة النصارى من مشارق الأرض ومغاربها، وسينال وضعًا خاصًّا في الكنيسة العالميَّة، سواء كانت الغربيَّة أو الشرقيَّة أو الأرمينيَّة أو غيرها، وسيحفر اسمه في التاريخ كلِّه، فالقدس محطُّ أنظار كلِّ الديانات، ويُعَظِّمها المسلمون والنصارى واليهود.
إنها مدينة ذات طابع خاصٍّ جدًّا، لعلَّه لا يتكرَّر مع أي مدينة أخرى في العالم.
مَن هم المتنازعون على حكم بيت المقدس؟
هناك زعماء الحملة الصليبيَّة الذين لم يغنموا بمُلْكٍ بعدُ، ولم يحصلوا على ما حصل عليه بلدوين في الرها أو بوهيموند في أنطاكية.
هناك جودفري بوايون أمير الجيش الذي خرج من شمال فرنسا واللورين وألمانيا، وكان من بداية خروجه وهو يأخذ طابعًا مميَّزًا يرفعه فوق بقيَّة القوَّاد؛ وذلك لانضمام عدد كبير من الأمراء تحت قيادته، ومعظم هؤلاء الأمراء أقوياء، بل إن هناك بلدوين الذي كان تحت قيادته، وهو يحكم الآن إمارة مستقلَّة هي الرها. وكان جودفري بوايون يتبع في ولائه للإمبراطور الألماني القويّ هنري الرابع، وهذا يُعطِيه قوةً أكبر، ثم إنه كان محبوبًا من بقيَّة زعماء الحملة، حيث كان صدره متَّسِعًا لآرائهم، وكانت له الكثير من الآراء الحكيمة في أثناء سير الحملة ومعاركها [4] ؛ وعلى هذا ففرصته في ولاية الأمر في بيت المقدس كبيرة.
وهناك أيضًا ريمون الرابع الذي حاول منذ بداية الرحلة أن يُضْفِي على نفسه شكلًا دينيًّا، وأن يجعل من نفسه وكأنه قائد الحملة بكاملها؛ لأنه صديق للبابا أوربان الثاني، ويتكلَّم كثيرًا عن الصليب والمسيح، ومن ثَمَّ فهو يعتبر نفسه أولى الناس بزعامة هذا المكان المقدَّس، ثم إن ريمون كان يُبَالِغ في تقدير إمكانيات نفسه، وكان هذا يبدو في شكل غطرسة وتكبُّر جعلت مكانته في قلوب بقية الزعماء تقلُّ [5] ، وجعلهم يرغبون في مخالفته لا لشيء إلا لإثبات وجودهم وعدم رغبتهم في اتِّبَاعه.
وهناك أيضًا بقيَّة الزعماء، وإن كانت فرصهم أقلَّ، مثل تانكرد النورماني ابن أخت بوهيموند الذي رفض البقاء مع خاله في أنطاكية؛ لأن لتانكرد أطماعه الخاصَّة، ولا يريد أن يكون تابعًا لأحد، بل يطمع في أن يكون أميرًا على إمارة خاصَّة به، وظهر ذلك منذ أوَّل أيام الحملة الصليبية في منطقة آسيا الصغرى، عندما كان يتنازع مع بلدوين على إمارة طَرَسُوس وغيرها.
أمَّا روبرت أمير الغرب الفرنسي فكان يُدْرِك أن إمكانياته أقلُّ من السابقين؛ ولذلك كان قانعًا بكونه قائدًا تابعًا لغيره، لا مستقلاًّ بذاته.
فهؤلاء هم زعماء الحملة الصليبية والمرشَّحون لولاية الكرسيِّ المهمّ في بيت المقدس.
(1) قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية ص131.
(4) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 204.
(5) سعيد عاشور: الحركة الصيبية 1/ 203.