الصفحة 133 من 390

لكن هل هم فقط الذين يطمعون في هذا الكرسيِّ؟!

إن هناك دون أدنى شكٍّ أطماع الكنيسة الكاثوليكيَّة، فالحملة خرجت من الأساس بتوجيه من البابا أوربان الثاني، والكنيسة كما ذكرنا قبل ذلك لم تكن شَرَفِيَّة فقط في هذه الأيام، إنما كانت قوَّة مؤثِّرة، لها إقطاعياتها وجيوشها وأموالها، والبابا له أطماع حكم كعامَّة الملوك والأمراء بل أشدّ، وهذا بيت المقدس، وولاية الكنيسة عليه أمر منطقي تمامًا، لكنَّ الكنيسة مُنِيَتْ في الأيام الأخيرة بضربتين كبيرتين؛ أما الأولى فوفاة المندوب البابوي المصاحب للحملة أدهمار، الذي تُوُفِّيَ في أنطاكية منذ عام واحد تقريبًا [1] ، ولو كان موجودًا لكان تسلُّمه بيت المقدس أمرًا منطقيًّا تمامًا [2] . والضربة الثانية كانت وفاة أوربان الثاني الذي حرَّك الجموع لهذه الحرب، ولا شكَّ أن حميَّته للقضية كانت أشدَّ من حميَّة البابا الجديد باسكال الثاني [3] ، ومن ثَمَّ فإن مساحة حرِّيَّة الحركة عند الأمراء ستكون أوسع في ظلِّ الوضع الجديد.

ولقد كان النزاع قديمًا في أوربا بين العلمانيين اللادينيين وهم هنا طبقة الأمراء، والكنسيين وهم البابوات والأساقفة والقساوسة، ولا شكَّ أن في الظروف التي وصفناها صارت فرصة العلمانيين لولاية بيت المقدس أكبر وأعظم [4] .

غير أن هناك قوَّة أخرى كانت تطمع في ولاية بيت المقدس، وهي قوَّة الدولة البيزنطيَّة، ومن المؤكَّد أن أطماع ألكسيوس كومنين لا تقف عند آسيا الصغرى، ومن المؤكَّد أيضًا أنها لا ينسَوْنَ تاريخًا قديمًا كانوا يحكمون فيه فلسطين بكاملها بما فيها بيت المقدس، والدولة البيزنطيَّة الآن ترى القوة الإسلاميَّة المنافِسَة لها تتهاوى، وفرصة استعادة الأملاك القديمة واردة، والجميع في هذه الحملة - باستثناء ريمون - كان قد أقسم يمين الولاء للإمبراطور البيزنطي، وحتى ريمون نفسه كان قد أقسم بحماية شرف الإمبراطور، كما أنه بالغ في تضخيم دور الإمبراطور في الأيام الأخيرة وأثناء حصار طرابلس [5] .

هذا كله يعني أن الإمبراطوريَّة البيزنطيَّة من المتوقَّع ألا تسكت على السيطرة الصليبيَّة على بيت المقدس؛ ولذلك كان من الضروري للصليبيين أن يختاروا زعيمًا بسرعة يُرَتِّب الأوضاع، وينظِّم الجيوش، ويستعدُّ للأيام القادمة، خاصَّةً أن الدولة العبيديَّة قد تُحَاول استرداد بيت المقدس بعدما ظهرت لها أطماع الصليبيين بوضوح، كما أن المسلمين في الشرق وفي الخلافة العباسيَّة قد يكون لهم دور في الأيام المقبلة.

(3) قاسم عبده قاسم: ماهية الحروب الصليبية 131.

(4) انظر: محمد سهيل طقوش: تاريخ السلاجقة في بلاد الشام ص246.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت