فهرس الكتاب
من التحليل السابق يظهر أن التنافس محصور بين القائدَيْنِ العسكريين جودفري بوايون وريمون الرابع، ولكي لا تحدث مشاحنات بين الزعيمَيْنِ اجتمع عموم الزعماء ليختاروا مَنْ يتولَّى زعامة بيت المقدس، وكان هذا في 17 من يوليو 1099م [1] .
ومع أن الأمير ريمون كان أغزر مالًا وأعظم ثروة، ومع أنه كان أكثر طموحًا في التملُّك [2] ، إلاَّ أن الأمراء اجتمعوا على اختيار جودفري بوايون ليكون حاكمًا لبيت المقدس؛ لأنهم في وجوده سيكون لهم رأي وأطماع، على العكس من ريمون الذي يتصلَّب في رأيه، ولا يقبل أحدًا معه في الحكم [3] .
وهكذا أصبح جودفري بوايون زعيمًا لبيت المقدس!
وقد حاول جودفري بوايون عند ولايته لبيت المقدس أن يُبْدِي شيئًا من التواضع يتناسب مع المهمَّة الدينيَّة المزعومة التي خرجوا من أجلها، فقال في البداية أنه يرفض هذه الولاية؛ لأن هذا شرف كبير لا يستحقُّه ليعطي الانطباع الكاذب أنه لم يأتِ إلى هذه البلاد طمعًا في مُلْكٍ، ولا حُبًّا في سيادة، ثم قَبِل بعد ذلك - بالطبع - عندما أصرَّ الأمراء عليه، ثم رفض لقب أمير أو ملك، واختار أن يُلقَّب بلقب ديني يدلُّ على تواضعه، وهو"حامي بيت المقدس" [4] ، كما رفض أن يَلْبَسَ تاجًا من الذهب والمجوهرات في بلدٍ لَبِسَ فيه المسيح - عليه السلام - تاجًا من الشوك [5] !
لقد كانت تمثيليَّة متقنة لإقناع العالم أن الصليبيين ما جاءوا إلى هذا المكان إلاَّ نصرة للدِّين، وأن زعماء هذه الحملة طيِّبون مخلصون متواضعون!
ولقد تعجَّبت كثيرًا عندما قرأت لبعض المؤلِّفين المسلمين الذين كتبوا عن الحروب الصليبيَّة من مراجع غربيَّة صليبيَّة، عندما وجدتهم يقولون: إن اختيار جودفري بوايون كان يرجع إلى طيبته، وكذلك إلى تواضعه وتقواه!!
يقولون هذا الكلام وينسَوْنَ أن هذا الاختيار له كان في يوم 17 من يوليو 1099م، أي بعد يومين فقط من ذبح سبعين ألف مسلم مدني من الرجال والنساء والأطفال [6] ، وقَبْلَهُ ذبح أهل أنطاكية ومعرَّة النعمان كما مرَّ بنا.
إنها أزمة النقل الحرفي عن المؤرِّخين الغربيين دون إعطاء فرصة للعقل أن يتدبَّر أو يفهم!
(1) وليم الصوري: الأعمال المنجزة وراء البحار 1/ 444 - 446،
(3) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 204.
(6) ابن العبري: تاريخ محتصر الدول ص199، وابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 19.