الصفحة 135 من 390

إن التفسير المنطقي لهذه التصرفات من جودفري بوايون هو محاولة كسب ودّ وتعاطف بقيَّة الزعماء ليتمكَّن من السيطرة على الفِرَقِ المتباينة والمختلِفة في داخل الحملة الصليبيَّة، والذي يُفَسِّر اختياره لِلَقَبِ"حامي بيت المقدس"، وهو التقرُّب والتزلُّف للكنيسة لتَقْبَل به حاكمًا على بيت المقدس، فالتنافس بصفة عامَّة بين الملوك والأمراء وبين الكنيسة على المناصب والإقطاعات والسلطات كان كبيرًا ومشتهرًا في أوربا، فإذا أضفنا إلى ذلك أن المتنافَس عليه الآن هو مدينة القدس المقدَّسة، وإذا أضفنا أن المحرِّك للجموع الصليبية والمدبِّر لكلِّ تفصيلات الحملة كان أحدَ البابوات المهمين في تاريخ أوربا وهو أوربان الثاني، إذا أدركنا كلَّ ذلك عرفنا أنَّ الجميع كان يتوقَّع قيادة كنيسة بيت المقدس، وهذا يفسِّر محاولة جودفري بوايون الظهور بشكلِ الرجل المُتَدَيِّن جدًّا ليجمع بين صفات الملوك وصفات القساوسة!

ويُعَضِّد هذا ويؤكِّده ما فعله الصليبيون الزعماء، وفي مقدِّمتهم جودفري، حين قاموا باختيار بطريرك جديد للقدس، فاختاروا رجلًا ضعيفًا ليس له تاريخ مُشَرِّف، بل إنَّ هناك طعوناتٍ كثيرةً في أخلاقه بصفة عامَّة، وفي سلوكه أثناء الحملة الصليبيَّة بوجه خاصٍّ، وهذا الرجل هو أرنولف مالكورن، وهذا حتى لا يكون له أطماع في قيادة بيت المقدس، وسنرى في مستقبل الأحداث أنه ما إن يأتي رجل قوي يُمْسِك بزمام الكنيسة إلا وستكون له أطماع واضحة في حكم هذه المدينة المقدَّسة [1] .

هذا ما يمكن أن يقال عن تواضع جودفري بوايون قائد الحملات الصليبيَّة!

ثم إنه بمناسبة الحديث عن الكنيسة في بيت المقدس، فإنه يجب أن نعرف أن الصليبيين غيَّروا الأوضاع تمامًا في المدينة، فاستبعدوا القساوسة الأرثوذكس من كنيسة القيامة، ممَّا أثار استياء المسيحيين المحلِّيِّين [2] ، لكن لم يكن لهم يَدٌ في التغيير، كما أَجْبَر جودفري القساوسة الأرثوذكس على إعادة صليب الصَّلبوت - أو الصليب الأعظم - وكانوا قد أخْفَوْهُ، وهو الصليب الذي يزعمون كَذِبًا أن المسيح - عليه السلام - قد صُلِبَ عليه [3] ، ولم يَعُدْ أمام الأرثوذكس في بيت المقدس سِوَى قَبُول هذا الوضع بعد فقدانهم الأمل في تعيين بطريرك أرثوذكسي؛ ليفتقد المسيحيُّون الشرقيُّون جزءًا كبيرًا من الحريَّة التي كانوا يَنْعَمُون بها في ظلِّ حُكْمِ المسلمين [4] !

والآن؛ وبَعْدَ سقوط بيت المقدس، هل تحقَّق حُلم الصليبيين وهدفهم، ومن ثَمَّ يَكُفُّون عن التوسُّع والاحتلال؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت