فهرس الكتاب
ثم إننا نحِبُّ أن نتوقَّف وقفة مع ما حدث بعد ذلك من الصليبيين تجاه مدينة عَسْقَلان المُسْلِمَة؛ لنرى طبيعة العَلاقة بين زعماء الجيش الصليبي وأهداف القتال والغزو، ولنعرف أيضًا طبيعة المسلمين في ذلك الوقت.
لقد حاصر الصليبيون فورًا مدينة عَسْقَلان مستغِلِّينَ الحالة المعنويَّة العالية لجنودهم، والإحباط الذي أُصِيبَ به المسلمون، وقد أُسْقِطَ في يَدِ المُسْلِمِينَ، فَهُمْ لا طاقة لهم بجودفري وجنوده، فماذا يفعلون؟!
لقد ترامت الأنباءُ إلى داخل أسوار عَسْقَلان أنَّ الذي أخرج الحامية العبيديَّة من داخل بيت المقدس بأمان هو العهد الذي أعطاه إيَّاهم ريمون الرابع أثناء عملية الغزو [1] ، ولعلَّه قد ترامى إليهم أيضًا أنَّ هناك خلافًا بين جودفري وريمون على زعامة الصليبيين، وقد يكون ريمون أعطى قبل ذلك الأمان لجنود الحامية نكايةً في جودفري، وكنوع من إثبات الوجود في داخل الجيش الصليبي، ومن ثَمَّ فقد رأى أهل عسقلان أنهم لو طلبوا الأمان من ريمون الرابع فإنَّ هذا سيكون أوقع [2] ، حيث سَيَتَحَمَّس ريمون لمعارضة جودفري، ولكسب يَدٍ عند أهل عَسْقَلان، فهو رجل يبحث عن إمارة له، فلماذا لا تكون عَسْقلان هي إمارته، إذا كان سيُعْطيهم وعدًا بالحياة!
هكذا فكَّر أهل عسقلان!
ولقد صدق حَدْسُهم!
لقد تحمَّس ريمون لقضيَّة أهل عَسْقَلان، وتناقش فورًا مع جودفري لفكِّ الحصار عن عسقلان، لكن جودفري أيقن أنَّ ريمون لا يريد رفع الحصار عطفًا على أهل عسقلان، أو رغبة في إظهار محاسن الأخلاق، إنما أراد ذلك لتكون عسقلان إمارة له، وهذا يتعارض مع أهداف جودفري نفسه، فهو يريد لميناء عسقلان أن يكون تابعًا لبيت المقدس، حتى يكون له مخرجٌ كبير على البحر الأبيض المتوسط يستوعب الإمدادات البشريَّة والعسكريَّة والغذائيَّة القادمة لمدينة القدس الداخليَّة، كما يُريد موانئ تِجَارِيَّة تُنْعِشُ اقتصاديَّات بيت المقدس؛ لذلك رفض جودفري صراحة أنْ يُعْطِيَ عسقلان لريمون، وغضب ريمون جدًّا لدرجة أنه قرَّر أنْ يَنْسَحِبَ بجنوده من الحصار، مُفَضِّلًا أن تبقى عسقلان في يَدِ المسلمين على أنْ يأخذها جودفري بوايون [3] !!
وهذا ما حدث بالفعل!
لقد ضعفت قوَّة الحصار عن المدينة بعد انسحاب ريمون، بل إنَّ ريمون أسرع إلى مدينة أخرى هي أُرْسُوف؛ ليقوم معها بنفس المهمَّة آملًا أن تكون أُرْسُوف هي إمارته، فأسرع خلفه