فهرس الكتاب
جودفري تاركًا عَسْقَلان، وكرَّر نفس الحوار مع ريمون، فجودفري - الطيب كما يدَّعون، والتقيُّ كما يصفون - يُريد لأُرْسُوف أيضًا أن تكون تابعة له [1] !
واشتدَّ غضب ريمون، وإن كان لم يستطع أن يفعل شيئًا، كذلك شَعَرَ بقيَّة الأمراء أنَّ هذا الفكر الاستحواذي الذي يتعامل به جودفري سيمنعهم من تنفيذ أي طموح، أو امتلاك أي شيء، وخاصةً أنهم أضعف من ريمون؛ ولذلك فقد قرَّر الجميع أن يتركوا الساحة خالية لجودفري!
أما ريمون فقد توجَّه إلى الشمال في مناطق لُبْنَان والشام؛ ليبحث له عن مُلْكٍ بجوار أنطاكية، وأمَّا بقيَّة الأمراء - وعلى رأسهم روبرت النورماني، وروبرت دي فلاندر فقد قرَّروا العودة إلى فرنسا [2] ، ولا شكَّ أنهم حُمِّلوا في عودتهم بكَمِّيَّات هائلة من الأموال والغنائم يُعَوِّضهم عن ترك الساحة بكاملها لجودفري وجنوده، وهكذا لم يبقَ مع جودفري من زعماء الحملة الصليبيَّة إلا تانكرد النورماني، الذي آثر أن يبقى مع جودفري ولا يذهب إلى خاله بوهيموند؛ حيث يُمْكِنُ له في فلسطين أنْ يستحوذَ على إمارة هنا أو هناك، ولو تحت حكم جودفري العامِّ، بينما سيكون الحُكْمُ في أنطاكية مقصورًا على خاله فقط!! إنها المصالح الشخصيَّة فقط هي التي تحكم تصرُّف كل زعيم من زعماء الحملة الصليبيَّة!
ولم يُخَيِّب جودفري ظنَّ تانكرد، إذ أَمَرَهُ أنْ يحتلَّ إقليم الجَلِيل، فإن وُفِّق في ذلك كان واليًا عليه، وتحمَّس تانكرد جدًّا للمهمَّة [3] ، ولم تكن مسألةً صعبةً، فهو مع قلَّة رجاله، وضعف إمكانياته بعدَ رحيل العديد من الأمراء والجنود إلاَّ أنَّ أهل الإقليم كانوا أضعف، حتى إنَّه احتلَّه في فترة وجيزة [4] ، وأيضًا احتلَّ مدينة طبرية في سهولة بعد أن هرب منها أهلها [5] ، وفَعَلَ الشيء نفسه في مدينة بيسان في الجنوب الشرقي لإقليم الجَلِيل، وهكذا صار إقليم الجَلِيل تابعًا للصليبيين وتحت إمارة تانكرد، على أن هذا الإقليم صار تابعًا لبيت المقدس وليس مستقلاًّ بذاته [6] .
وهكذا صارت عدَّة مُدُنٍ من مُدُن فلسطين تحت سيطرة الصليبيين، منها بيت المقدس ويافا واللُّدُّ والرملة ونابُلُس وبَيْسَان وطبرية [7] ، وفي نفس الوقت لم يستطع الصليبيون في هذه المرحلة أن يحتلُّوا عكَّا أو عَسْقَلان أو أُرْسُوف، ولم يستطيعوا دخول لُبْنَان، حيث بقِيَت طرابُلُس وبَيْرُوت وصيدا في أيدي المسلمين [8] .
(7) قاسم عبده قا: ماهية الحروب الصليبية ص130.