الصفحة 139 من 390

ومن الجدير بالذِّكر أنْ نعلم أنَّ القوَّة الصليبيَّة في كل هذه المدن الفلسطينيَّة المحتلَّة - بما فيها بيت المقدس - كانت ضعيفة جدًّا؛ لتَفَرُّقِ الحاميات الصليبيَّة بين هذه المدن الكثيرة، ولرجوع أعداد كبيرة من الجُنْدِ إلى فلسطين، وأيضًا لانسحاب ريمون بجيشه إلى الشمال بعيدًا عن فلسطين وعن نفوذ جودفري [1] ، وعلى الرغم من هذا الضعف إلاَّ أنَّ المقاومة الإسلاميَّة آنذاك كانت أضعف؛ حيث هُزِمَ المسلمون نفسيًّا قبل أن يُهْزَمُوا عسكريًّا، وشعروا أنَّ قتال الصليبيين ضربٌ من المستحيل، وهذا أدَّى إلى استقرار الصليبيين على الرغم من قلَّة أعدادهم!

وقبل أن تتعجَّب لعلَّك ينبغي أنْ تُفَكِّرَ في بقاء اليهود في زماننا الآن بأعدادهم القليلة جدًّا وسط هذا الكمِّ الضخم الهائل من المسلمين؛ لندرك جميعًا أن القضيَّة ليست قضيَّة أعداد وعُدَّة، ولكنها قضيَّة دين وعقيدة وفكر ورُوح.

ولكن ينبغي أيضًا أن نَقِفَ وقفة مع جودفري وسياسته في السيطرة على الأوضاع في فلسطين، على الرغم من قلَّة أعداد جنوده واتساع المساحة المحتلَّة، لقد سلك جودفري عدَّة طُرُق لتأمين المناطق التي يحتلُّها، يَحْسُنُ بنا أن نَقِفَ معها بتدبُّر؛ فالتاريخ يتكرَّر!

أوَّلًا: عَمِلَ جودفري على تقوية وتحصين ميناء يافا [2] ، وهي المَنْفَذ البَحْرِيُّ الوحيد حتى هذه اللحظة لبيت المقدس، وهي شِرْيَان الحياة الذي ينبغي أن يَظَلَّ مفتوحًا وقويًّا، ولقد قَوِي شأنُ يافا تِجَارِيًّا وعسكريًّا حتى أثَّرت في كل الموانئ المحيطة بما فيها موانئ مصر كالإسكندريَّة ودِمْيَاط [3] .

ثانيًا: الاتفاق مع الجمهوريَّات الإيطاليَّة على إمداد بيت المقدس بالأساطيل التِّجاريَّة والعسكريَّة؛ وذلك لحماية الشواطئ الفلسطينية، ولقد كانت الجمهوريَّات الإيطاليَّة في ذلك الوقت وخاصَّةً بيزا وجنوة والبندقيَّة تمتلك أقوى أساطيل البحر الأبيض المتوسط [4] ، وهكذا سيطر الإيطاليُّون فعلًا على مجريات الأمور، فخَبَتْ جذوة الموانئ الإسلاميَّة كثيرًا [5] ، بل إنَّ الإيطاليين كانوا يهاجِمُون السفن القادمة من مصر؛ فيستولون على تجارتها ويقتلون تُجَّارَها [6] ، ومع مرور الوقت ضعفت موانئ عكَّا وأُرْسُوف وغيرهما، ممَّا سيُسَهِّل بعد ذلك احتلالَهم.

ثالثًا: سياسة الإرهاب والبطش والمذابح البشعة التي تُحْدِثُ آثارًا إعلاميَّة ضخمة، ومن ذلك مثلًا ما فعلوه مع بعض المزارعين من أُرْسُوف الذين أمسك بهم الصليبيُّون أثناء خروجهم من

(1) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 212.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 43.

(3) سعيد عاشور: الحركة الصليبية 1/ 215.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت