الصفحة 140 من 390

حصونهم لرعاية أراضيهم الزراعيَّة، حيث لم يَكْتَفِ الصليبيُّون بقتلهم بل وقطعوا أنوفهم وأيدِيَهم وأرجلَهم؛ لبثِّ الرُّعْب في قلوب المسلمين [1] .

رابعًا: حرص الصليبيون على طريقة خبيثة تُمَكِّنُ لهم السيطرة على البلاد، وفي نفس الوقت تضمن لهم أنْ تسيرَ الأمور بصفة عامَّة على ما يُرَامُ، فسياسة الإرهاب وحدها لن تؤَدِّيَ إلى النتائج المرجُوَّة، حيث قد يُسيطر الصليبيون على الأوضاع أمنيًّا، لكنهم سيتأثَّرون سلبًا تجاريًّا ومدنيًّا، فأعداد الصليبيين قليلة، ومن ثَمَّ فهم يحتاجون إلى الفلاحين المسلمين ليزرعوا الأراضيَ الواسعة، ويحتاجون إلى العُمَّال المسلمين ليقوموا بأعمال البناء والتشييد وتمهيد الأراضي، بل وبِنَاءِ القلاع والحصون، وهم في نفس الوقت يحتاجون إلى الشعب المسلم هناك لكي يتعامل تِجَارِيًّا مع البضائع الإيطاليَّة والغربيَّة، وإلاَّ فتَوَقُّف التِّجارة سيؤدِّي إلى نفور السفن الإيطاليَّة عن البقاء في هذا المكان، ومن ثَمَّ ستضعف القوَّة البَحْرِيَّة لبيت المقدس.

من أجل ذلك كلِّه حرص جودفري على اتِّباع سياسة جديدة حقَّقت مصالح جمَّة للصليبيين، وهي سياسة مباحثات السلام!!

لقد فكَّر جودفري في هذه السياسة الماكرة التي تُحَقِّق مصالح هائلة له، ودون أن يخسر شيئًا، لقد عرض على المدن الإسلاميَّة التي لم تسقط بعدُ أن تَعْقِد معه اتفاقيَّات سلام، يبقى فيها الحُكْمُ في يَدِ الحاكم المسلم، ولا تدخل حامية صليبيَّة في داخل المدينة، وهذا الحُكْمُ الذاتيُّ سيُعْطِي الحاكمَ المسلم ما يرغب فيه من قوَّة تَسَلُّطِيَّة، ومن وضع اجتماعيٍّ، وسيُعطي الشعب الأمانَ الذي يُريده، والاستقرارَ الاقتصاديَّ الذي يتمنَّاه، ولكن ما هو المقابل الذي سيأخذه جودفري؟!

إنه ليس من أدنى شكٍّ أنَّ أحلام جودفري التوسُّعيَّة لن تتوقَّف، فلماذا يَقْبَلُ بمثل هذه المباحثات السِّلْمِيَّة، وهو الذي مَسَح منذ أَمَدٍ كلمة (السلام) من قاموسه؟!

إنها المصالح الهائلة المتحقِّقَة، وهي واضحة لكلِّ مُحَلِّلٍ ومدقِّق في الأحداث، إلاَّ مَنْ عَمِيَتْ بصيرته، أو أَغْفَلَ النظرَ عمدًا؛ خيانةً منه للوطن والعِرْضِ والدِّين!!

وبعض هذه المصالح يتلخَّص فيما يلي:

أوَّلًا: ولعلَّ هذه أهمُّ المصالح مطلقًا، وهي"الاعتراف بدولة بيت المقدس الصليبيَّة"، أي الاعتراف أن بيت المقدس من حقِّ الصليبيين، وليس للمسلمين أن يُطَالِبُوا به في يوم من الأيام، وتُصْبِحُ المفاوضات هي التوثيق الطبيعي لهذا الكيان الصليبي، وهذا سيُعْطِي شرعيَّة قانونيَّة للصليبيين ضدَّ المسلمين، وأيضًا للبيزنطيين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت