فهرس الكتاب
وهذا الاعتراف وإنْ كان شكليًّا في الوقت الحاضر إلاَّ أنَّ آثارَه في المستقبل ستكون مُعَقَّدة جدًّا، وسيُصْبِح من الصعب على الأبناء والأحفاد أن يُطالِبوا بحقٍّ فرَّط فيه الآباء والأجداد.
ثانيًا: الصليبيون يُعانُون من نقص في الأعداد، وهم وإن كانوا يسعَوْنَ الآن لاستقدام الأفواج النصرانيَّة من أوربا ليستوطنوا في فلسطين، إلاَّ أنهم في حاجة شديدة للأيدي العاملة، ونقص الأيدي العاملة سيؤدِّي إلى بوار الأرض وقلَّة الغذاء، وعدم القدرة على بناء المستوطنات والحصون، فلو كانت هناك عَلاقة سلام حقيقيَّة لخرج المسلمون البسطاء ليعملوا في الأملاك الصليبيَّة، وحين يكثُر الصليبيون القادمون من أوربا سيُطْرَد المسلمون من أعمالهم، وقد يُطْرَدون من البلد بكاملها.
ثالثًا: التُّجَّار الإيطاليُّون سيجدون مشْتَرِين لبضائعهم، وطريقًا مفتوحًا لبلاد الشرق بكاملها، ولا شكَّ أنَّ هذا إغراءٌ كبير للجمهوريَّات الإيطاليَّة يضمن بقاءها في المنطقة، وهي ضروريَّة جدًّا لتأمين الصليبيين.
رابعًا: ستؤَدِّي هذه المباحثات إلى تقطيع الوشائج والعَلاقات بين أهل فلسطين وبقيَّة أقطار العالم الإسلامي، فهذه الأقطار سَتَرَى أنَّ العَلاقة أصبحت سلميَّة بين العدوِّ والشعب المحتلِّ، وسيقولون أنَّ أهل البلد قد ارتضوا ضياعه، وفي ظلِّ غياب الفَهْمِ الإسلامي الصحيح لن يُدْرِكَ المسلمون في أقطار العالم الإسلامي أنَّ القضيَّة ليست فلسطينية محلِّيَّة، بل هي إسلاميَّة عامَّة، ولا يحقُّ لأهل فلسطين - حتى إذا أرادوا ذلك برغبتهم - أنْ يبيعوا البلاد لأعداء المسلمين.
خامسًا: سيحدث انقسام خطير في المجتمع الفلسطيني، وكذلك في المجتمع الإسلامي كَكُلٍّ؛ فهناك فريق سيَرْضَى بالتصالح مع الصليبيين من أجل الحياة، وسيرضى بالتعايش السلمي مع المحتلِّ، وسيقبل بالأمر الواقع ولو كان مُرًّا، وهناك فريق آخر سيرفع راية الجهاد في سبيل الله، ويرفض الظلمَ، ويأبى أن يبيع دينه وأرضه، وليس بمُسْتَبْعَدٍ أبدًا أن يتناحر الطرفان ويتصارعان، بل قد يصل الأمر إلى القتال بالسلاح، وهذا ما حدث تمامًا؛ إذ كان لِزَامًا في وقت من الأوقات على المجاهدين في سبيل الله أنْ يُقَاتِلوا أولئك الذين فَرَّطُوا في كل شيء من أَجْلِ كرسيٍّ أو صفقة أو أمان، ولا يخفى على أحد أنَّ حدوث مثل هذا التصارع سيؤدِّي إلى فشل الصفِّ المُسْلِم، وَثَبَاتِ المحتلِّينَ في الأرض.
سادسًا: ولعلَّ من أخطر نتائج هذه المباحثات هي أنها تُؤَدِّي مع مرور الوقت إلى تسكين الرُّوح العَدَائيَّة عند المسلمين تجاه الصليبيين المحتلِّين، فبعد مرور عدَّة سنوات أو أجيال لن تُصبح العَلاقة بين الفريقين عَلاقة ظالم ومظلوم، أو مغتصِبٍ ومنهوب، ولن يُنْظَرَ إلى الصليبيين على أنهم أعداءٌ مجرمون، ولكن ستُصبح العَلاقة عَلاقة صداقة وجِوَار، ومودَّة ووئام، وفي غضون هذه الأوضاع المقلوبة سيُنْزَعُ الجهاد من قلوب الأجيال القادمة، وسيرى المسلمون السفَّاح الصليبي رجلًا وديعًا محبًّا