ومع ذلك فالعبيديون ما زالوا يسيطرون على عدة مدن على ساحل الشام وفلسطين منها عسقلان وعكا وبيروت وصور، وبعض هذه المدن دخل في معاهدة مع الصليبيين كعكا وعسقلان، والآخر ما زال يدرس الأوضاع، لكن هل ستسكت الدولة العبيدية على ضياع جزء كبير من ممتلكاتها مثل فلسطين؟ وهل ستترك عدوًا قويًّا كالصليبيين على الحدود الشرقية لمعقلها الأخير في العالم وهو دولة مصر؟ إن هذا سؤال ستتحدد إجابته في خلال الشهور والسنوات المقبلة.
ولعله من الضروري أن نعرف أن مقاليد الحكم الحقيقية في الدولة المصرية آنذاك، لم تكن في يد الخليفة نفسه، ولكنها كانت في يد الوزير القوي الأفضل بن بدر الجمالي، كما ينبغي أن نعرف أن جيش العبيديين الرئيسي كان معتمدًا على المغاربة الذين أتوا مع الجيوش الأولى التي احتلت مصر سنة (358هـ) 969م، وأيضًا على الجنود القادمين من السودان وغيرها من البلاد البعيدة، ولم يكن بجيشهم عدد يذكر من المصريين؛ لأن المصريين - على الرغم من حكمهم بالشيعة فترة طويلة من الزمان تجاوزت حتى زمن الحروب الصليبية - لم يتشيعوا مطلقًا، وظلوا محتفظين بطابعهم السني على الرغم من قهر العبيديين لهم.
وهكذا خرجت قلعة عظيمة من قلاع الإسلام وهي مصر من معادلة القوى المؤثرة في الأحداث؛ حيث قاد دفَّة الأمور فيها من لا يرجو رفعة، ولا عزًّا إلا لنفسه فقط، ومن لا يضع أحلام الأمة وأمنياتها في حساباته ولا قدر أنملة!
الوقفة السابعة: مع حكام المسلمين في منطقة الشام ..
كان الشام مقسمًا في ذلك الوقت - بلا مبالغة - إلى عشرات الإمارات، وعلى كل إمارة زعيم يعتقد أنه محور العالم، ويُصوِّره إعلامه على أنه الرجل الأوحد الحكيم الذي لم يتكرر في التاريخ، والذي لم - ولن - تنجب البلاد مثله!! لقد كانوا في تمثيلية وهميَّة خدعوا بها أنفسهم، وخدعوا بها شعوبهم، ثم جاءت الحملة الصليبية لتكشف للجميع زيف هذه الزعامات الفارغة.
ولم يكن من همِّ هؤلاء الأمراء والملوك إلا الحفاظ على كراسيهم وأملاكهم، وعلى هذا فلم يكن يعنيهم من قريب ولا بعيد أمر الصليبيين إذا احتلوا الشام بكامله وتركوهم دون أذى، وعليه فلم يتحرك هؤلاء إلا عندما شعروا بالخطر يتهددهم هم شخصيًّا، وحتى عندما تحرَّكُوا تحركوا بمعاهدة مخزية أو بحرب فاشلة أو بهروب فاضح!!
وكان أهم ملوك الشام - في ذلك الوقت - رجلين هما: ملك دمشق دقاق بن تتش، وملك حلب رضوان بن تتش، وكانا شخصيتين نفعيتين بعيدتين كل البعد عن السلوك الإسلامي، ولم يكن الأمر يقف عند هذا الحد، بل كانا - مع أنهما أشقاء - في حرب مستمرة وعداء مُطَّرد، وكأنهما