ومع كونه قُتل إلا أن بركياروق اكتفى بحكم فارس والعراق ولم يحاول ضم بلاد الشام إليه، فتقاسم حكمَها ولدا تتش؛ وهما رضوان بن تتش على إمارة حلب، ودقاق بن تتش على إمارة دمشق [1] .
وهكذا يتضح لنا أن بركياروق هو ابن عم زعماء حلب ودمشق، ولم يكن مجرد ابن عم مخاصم أو كاره لسياستهما، بل كان مقاتلًا وقاتلًا لأبيهما، وهو يرى - ونحن نرى معه كذلك - أن أطماع تتش كانت متجاوزة الحد، وأنه لم يرع حرمة أخيه ملكشاه، ولا حرمة أبيه العظيم ألب أرسلان، ولا حرمة الشعوب المسلمة التي تزهق أرواحها في حروبه، ولا حرمة الدين الإسلامي الذي يخرم مثل هذا القتال النفعي الذي يثير الفتنة في بلاد الإسلام. وهذا بالطبع يفسر لنا عدم حماسة بركياروق في نجدة بلاد الشام عند دخول الصليبيين.
هذا من جانب ..
ومن جانب آخر فإنه قد حدثت ثورات أخرى، ومشاكل ضخمة في إقليم فارس والعراق، حيث قام أخو بركياروق وهو محمد بن ملكشاه بثورة على أخيه يطالب فيها بجزء من المملكة [2] ، ودارت صراعات طويلة بين الجانبين استمرت عدة سنوات، ولا شك أن هذه الثورات والصراعات شغلت بركياروق وأخاه محمد عن مشاكل المسلمين في أرض الشام وفلسطين.
إن الأمة في ذلك الوقت صارت كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا، فبعد القوة البالغة في زمان ألب أرسلان، وبعد الانتشار المهيب في زمان ملكشاه بن ألب أرسلان، وصلنا إلى تلك الحالة التي وصفنا، ولقد جنيناه على أنفسنا، وما جاناه علينا أحد!!
الوقفة السادسة: مع الخليفة العبيدي (الفاطمي) بالقاهرة
كان الخليفة العبيدي في ذلك الوقت هو المستعلي بالله، وكان مثل غيره من الخلفاء العبيديين إسماعيلي المذهب، شديد التطرف في معتقده، حاقدًا على أهل السنة، يعتبرهم العدو الأساسي له، لا يمانع في سبيل عداوتهم من أن يضع يده في أيدي الصليبيين أو غيرهم من أعداء الأمة، ولقد رأينا سفارتين منه إلى الصليبيين تعرضان عليه التعاون لتقسيم الشام السني بينهما، غير أنَّ هذه السفارات لم تفلح؛ لأن الصليبيين كانوا يريدون الشام كله لهم، وخاصةً بيت المقدس الذي يطمع في حكمه العبيديون، ورأينا كيف أخرج الصليبيون العبيديين من بيت المقدس دون مقاومة تذكر [3] .
(1) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 120.
(2) ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص197.
(3) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص135.