الصفحة 147 من 390

لعله من المناسب لندرك الإجابة على هذا السؤال أن نرجع قليلًا عدة سنوات لنعرف خلفيات العلاقة بين بركياروق سلطان السلاجقة في فارس والعراق، وبين سلاجقة الروم حين دخلت القوات الصليبية.

لقد ترك ألب أرسلان بعد وفاته عدة أولاد، فحكم ابنه الأكبر ملكشاه دولة السلاجقة العظام، ووصلت دولته في زمان مجدها إلى حدود الصين شرقًا وإلى الشام غربًا [1] ، كما حكم ابنه الآخر تتش معظم الشام [2] ، وكان راغبًا في توسيع ملكه غير أنه كان يخشى أخاه الأقوى ملكشاه، ولكن عند وفاة ملكشاه في سنة (484هـ) 1092م خلفه ابنه بركياروق على حكم دولة السلاجقة العظام، وكان بركياروق صغيرًا في السن لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره؛ مما أطمع عمه تتش في ملكه، مما أدى إلى استغلاله لحالة الفوضى الناتجة عن وفاة أخيه ملكشاه، ومن ثَمَّ تحرك بجيشه لإخضاع حلب تحت حكمه، بل ومحاولة الاستحواذ على مدن أخرى من ملك بركياروق ابن أخيه، وكانت حلب تحت قيادة آقْ سُنْقُر الحاجب، وكان مواليًا لبركياروق، لكنه اضطر للرضوخ لتتش لفرط قوته ولضعف بركياروق، ومن ثَمَّ انضم إليه ظاهريًّا، وسار معه هو وياغي سيان حاكم أنطاكية المسلم، وكذلك بوزان حاكم الرها المسلم [3] ، وكل هذه كانت مدنًا تابعة لملكشاه قبل وفاته، وتحرك هذا الجيش المركَّب جنوب فارس ليقاتل بركياروق في سلطنته، وذلك في سنة (485هـ) 1093م، وكاد تتش يُحقِّق ما أراد، لولا أن آق سنقر وياغي سيان تخليا عن تتش في هذه اللحظة، وانضما إلى سلطانهما الأول بركياروق، فتحطمت خطة تتش وعاد مسرعًا إلى دمشق، وعاد آق سنقر لحكم حلب وبوزان لحكم الرها، غير أنه في سنة (486هـ) 1094م [4] ، أعاد تتش هجومه على حلب، فقاتله آق سنقر متحدًا مع بوزان، إلا أنه هذه المرة انتصر تتش وقتل على الفور آق سنقر وبوزان، ودانت له السيطرة على حلب ودمشق ومعظم الشام [5] .

وفي سنة (487هـ) 1095م - قبل الحروب الصليبية بسنتين فقط - تحرك تتش بقواته من جديد لقتال ابن أخيه بركياروق، ووقع القتال فعلًا بالقرب من الرَّيِّ في فارس، ولكن في هذه المرة لم يُهزم تتش فقط، بل وقتل في أثناء المعركة [6] !

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 395،394، ابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص186.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 418.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 487.

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 489، وابن العديم: زبدة الحلب 2/ 110،109.

(5) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 8/ 495،494.

(6) ابن العديم: زبدة الحلب 2/ 111، ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص130.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت