الصفحة 157 من 390

هكذا قاده غروره أن يفتح على نفسه أربع جبهات: في قلعة فامية، وفي حلب، وفي مرعش، وفي ملطية (خريطة 18) ؛ وهو يقاتل في هذه الجبهات العرب والسلاجقة والبيزنطيين والدانشمند. إنه الغرور الذي يُعمِي الأبصار؛ إذ وزَّع قواته هنا وهناك، وتوغَّل بخمسمائة فارس فقط في أراضي آسيا الصغرى!

وكان لا بد للقائد المغرور أن يقع في أخطاء.

وراجعوا قصة نابليون بونابرت وسقوطه في روسيا.

وراجعوا قصة هتلر وسقوطه في فرنسا وروسيا.

بل راجعوا قصة فرعون الذي شاهد البحر ينفلق، فإذا به في غرور عجيب، يصل إلى حدِّ الغباء والعمى يأخذ جيشه ويقتحم البحر حتى يهلك!!

لقد سقط المغرور بوهيموند في كمين تركي صنعه الملك غازي بن الدانشمند، وسقط معه في نفس الكمين خمسمائة فارس هي كل القوة التي كانت معه [1] ، وسرعان ما كُبِّل الأمير بوهيموند بالأغلال، وقُتل عدد كبير من فرسانه وأسر الباقي [2] !

لقد كان صيدًا ثمينًا في وقت حرج جدًّا من أوقات الغزو الصليبي، وكان ذلك في سنة (493هـ) أوائل أغسطس سنة 1100م، وقبل أن يسقط بوهيموند في الأسر أرسل رسالة نجدة إلى بلدوين حاكم الرها، فتحرك بسرعة بسرية مكونة من مائة وأربعين فارسًا فقط لنجدته! وكان من الممكن أن يلقى نفس المصير الذي لاقاه بوهيموند، لولا أن الملك غازي انسحب مسرعًا بصيده الثمين حتى وصل إلى قلعة نكسار على ساحل البحر الأسود في أقصى شمال آسيا الصغرى ليؤمِّن أسر الأمير النورماني [3] .

وجد بلدوين الطريق مفتوحًا إلى ملطية، فدخلها بسريته، ورحب به أهلها، وكذلك زعيمها جبريل، وسرعان ما ضمها بلدوين إلى إمارة الرها؛ ليوسِّع بذلك إمارته! إن النية لم تكن خالصة لإنقاذ بوهيموند، والتنافس بينهما قديم، ولكن هي يدٌ يقدمها الآن لعلها تنفع غدًا، وفي نفس الوقت هي فرصة ذهبية لضم مدينة تطلب النجدة!

ولم يفكر بلدوين بالطبع في مغامرة تتبع القوات التركية إلى قلعة نكسار، وإنما عاد إلى الرها بعد أن ترك خمسين فارسًا في ملطية كنوع من إثبات الوجود، وللدلالة على تبعية المدينة له [4] .

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 29. غير أن ابن الأثير قد بالغ في العدد الذي كان مع بوهيمند.

(3) ابن القلانسي: تاريخ دمشق ص224،223،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت