الصفحة 158 من 390

وقد ترك أسر بوهيموند فراغًا سياسيًّا وعسكريًّا كبيرًا في المنطقة؛ فإمارة أنطاكية إمارة مهمة جدًّا، والأطماع فيها كثيرة، فهناك المسلمون السلاجقة وعلى رأسهم قلج أرسلان في آسيا الصغرى، وهناك كذلك الأمير رضوان الذي يعتبر أنطاكية من نصيبه في الميراث! وهناك الدولة البيزنطية الطامعة في أنطاكية منذ زمن بعيد، بل إن هناك ريمون الرابع الذي يبحث له عن إمارة، وأبدى قبل ذلك رغبته الشديدة في حكم أنطاكية، أو على الأقل اقتسام حكمها. ثم إن إمارة أنطاكية لم تعد مدينة واحدة، بل ضمت إليها عدة مدن وقرى وقلاع مجاورة، وهي أغنى الإمارات وأحصنها.

إن هذا الفراغ السياسي الكبير قد يقود إلى صراع مرتقب بين أطراف عدة. ماذا يفعل الجيش النورماني المسيطر على أنطاكية قبل أن تحدث الكارثة وتتكالب القوى المختلفة على أنطاكية؟!

وماذا يفعل بنو الدانشمند المسلمون وقد امتلكوا ورقة رابحة جدًّا من أوراق اللعبة؟

وماذا يفعل المسلمون بصفة عامة إزاء هذا التطور الإيجابي الأخير؟

وقبل أن يفكر نورماني أو مسلم في الوضع الجديد إذا بحدث آخر مُجَلْجِل يحدث في بيت المقدس، يُغيِّر من كل الحسابات، ويزيد الموقف تعقيدًا!!

لقد مات فجأة جودفري بوايون زعيم بيت المقدس، لتتفجر بذلك مشكلة في حجم مشكلة أنطاكية، أو لعلها أكبر!

إنه فراغ سياسي جديد في مدينة القدس قد يؤدي إلى كارثة صليبية جديدة، وخاصةً أن مدينة القدس ذاتها محل صراع كبير بين الصليبيين أنفسهم قبل المسلمين.

لقد حدثت هذه الوفاة المفاجئة بينما تانكرد ودايمبرت في حصار عكا ثم حيفا [1] ! ولعلنا نتساءل: ماذا يفعل الأسقف الديني في حصار عسكري؟! إنه يبحث عن مدينة يقودها أو قرية يملكها! وأثناء حصار حيفا وصلت أنباء موت جودفري [2] ، وكاد تانكرد ينسحب بجيشه عندما علم بأن جودفري قد أوصى قبل موته بإعطاء حيفا لأمير صليبي اسمه جالدمار [3] ، لولا أن دايمبرت أقنعه بالبقاء في نظير أن يعطيه مدينة حيفا بعد سقوطها، وفي هذا الوعد من دايمبرت إشارة واضحة إلى أنه كان يعتقد تمام الاعتقاد أن حكم بيت المقدس سيئُول له، وبالفعل سقطت حيفا بعد مقاومة [4] ، وعاد الجميع إلى بيت المقدس لمناقشة القضية الكبرى: من سيحكم بيت المقدس؟!

لقد حكم جودفري بوايون القدس سنة واحدة فقط، ولم يترك وريثًا شرعيًّا له يحكم البلاد كما هو معتاد في النظام الأوربي الغربي آنذاك، وكان جودفري يحكم حكمًا وسطًا بين العلمانية

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت