فهرس الكتاب
الملكية الموافقة لرغبات الزعماء العسكريين للحملة الصليبية، وبين الحكم الديني الموافق لرغبات الكنيسة، فلما مات جودفري قامت قوتان كبيرتان تتنازعان الحكم في بيت المقدس [1] .
أما القوة الأولى فهي القوة الدينية متمثلة في دايمبرت أسقف القدس صاحب الأطماع الكبيرة، والمرشح الأول في داخل مدينة القدس، ومندوب البابا الذي حرَّك الجموع الأوربية لهذه الحملة، وأسقف المدينة المقدسة. وهذا الأسقف كان على دراية بالأوضاع السياسية والموازنات في الجيش الصليبي، فعقد على الفور اتفاقًا مع تانكرد لمساعدته في الوصول إلى كرسي الحكم في القدس [2] ، وأرسل رسالة إلى صديقه بوهيموند أمير أنطاكية يستحثه فيها على القدوم إلى بيت المقدس لتزكية ولايته عليه [3] ، ولم يكن خبر أسر بوهيموند قد وصل إلى القدس.
هذه هي القوة الأولى ..
أما القوة الثانية فهي العلمانية الملكية؛ ففرسان جودفري بوايون يملئون القدس، وهم جميعًا يرفضون الحكم الثيوقراطي - أي الديني - ويرفضون أن تُعطى القدس للكنيسة بعد كل هذا المشوار الطويل من الجهد والعطاء، ولقد وقف إلى جوار هذا الفريق أتباع الأسقف المعزول أرنولف مالكون، والذين رفضوا حكم دايمبرت مع أنه حكم ديني لا لشيء إلا نكاية في دايمبرت! فليست القضية قضية مبدأ، إنما الصراعات الشخصية والأطماع الخاصة [4] .
ومن هو يا ترى مرشح الحكم والقيادة عند فرسان جودفري؟!
إنهم - ولعقليتهم الأوربية الوراثية - ذهبوا بفكرهم إلى أقرب الناس إلى جودفري بوايون، وهذا هو بلدوين أخوه حاكم الرها! ولم يذهبوا مثلًا إلى تانكرد الذي ساهم بجهد وفير في تذليل الصعاب والسيطرة على الأوضاع في منطقة بيت المقدس ويافا وحيفا، وهو الذي كان يرأس إقليم الجليل في عهد جودفري، ولم يذهبوا أيضًا بعقولهم إلى ريمون الرابع الأمير الذي يبحث عن إمارة، إنما ذهبوا إلى الأخ الذي يحكم بالفعل إمارة أخرى هي الرها، وهو الأخ الذي لم يبذل جهدًا قَطُّ في إسقاط بيت المقدس!
وأرسل فرسان جودفري رسالة سرية سريعة إلى بلدوين في الرها تحثه على القدوم بسرعة لتسلُّم مقاليد الحكم في بيت المقدس [5] ! ووجدها بلدوين فرصة لا تعوض، فشتَّان بين الرها وبيت المقدس؛ ومن هنا أسرع بلدوين بترك إماراته لابن عمه بلدوين دي بورج، وترك معه حامية قوية، وأخذ حامية أخرى وانطلق مسرعًا إلى بيت المقدس [6] ، وقد حاول دقاق ملك دمشق الإمساك به في