الصفحة 162 من 390

ففي بيت المقدس بدأ بلدوين الأول يقوم ببعض الحملات العسكرية الخاطفة حول المدينة ليختبر قواته العسكرية، وليكتشف الطرق، ويدرب جنوده على الأوضاع الجديدة، ثم ما لبث أن أخذ جيشه وحاصر أرسوف التي سقطت في يده بعد قليل بمساعدة أسطول بحري قدم من جنوة الإيطالية [1] ، ثم أتبع ذلك بحصار قيسارية فسقطت هي الأخرى [2] ، وتعرضت بعد سقوطها لمذبحة بشعة قُتل فيها عدد ضخم من السكان المدنيين [3] ، بل إن السكان عندما احتموا بمسجد المدينة لحقهم الصليبيون بقيادة بلدوين الأول - الذي تصفه المصادر التاريخية بالحكمة! - وقاموا بذبح كل مَن في المسجد من الرجال والنساء والأطفال، حتى تحول المسجد إلى بركة هائلة من دماء المسلمين والمسلمات [4] !

وفي أنطاكية خرج تانكرد ليمارس نشاطه التوسعي بسرعة قبل أن يفكر أحد في ضعف إمارته لفقدها زعيمها بوهيموند، ولقد كان تانكرد لا يقل شراسة ولا قوة ولا خبرة ولا مهارة عسكرية عن خاله بوهيموند [5] ، ولقد استطاع في غضون شهور قليلة جدًّا أن يستولي على ثلاث مدن مهمة في إقليم قليقية شمال أنطاكية، هي مدن طرسوس وأذنة والمصيصة، وكانت تحت السيطرة البيزنطية، بل إنه حاصر مدينة اللاذقية المهمة جنوب أنطاكية، والتي اضطر بوهيموند قبل ذلك بأكثر من سنة أن يرفع عنها الحصار بسبب ريمون الرابع وموالاته للدولة البيزنطية، أما الآن فتانكرد لا يحسب حسابًا أبدًا للإمبراطورية العجوز، ولذلك نصب جيشه حول اللاذقية بغية إسقاطها [6] ، وهو ما تمَّ له بالفعل، ولكن بعد قرابة السنتين!!

أما في إمارة الرها فقد بدأ بلدوين دي بروج نشاطه بمهاجمة مدينة سروج المسلمة، والتي حاول سقمان بن أرتق صاحب حصن كيفا - وهو من الأمراء المسلمين - أن يستردها عند رحيل بلدوين الأول إلى بيت المقدس [7] ، غير أنه - للأسف - لم يتلقَّ أي مساعدة من الأمراء المسلمين في المنطقة؛ مما أدى إلى انتصار بلدوين دي بورج عليه بعد قتال شديد، واستبيحت سروج، وأُخذ منها عدد كبير من الأسرى [8] .

كان هذا هو الوضع في مملكة بيت المقدس وإمارتي أنطاكية والرها، فماذا فعل ريمون الرابع؟! لقد فشل ريمون الرابع في رفع حصار تانكرد من حول اللاذقية، وكنا قد علمنا قبل ذلك أن ريمون

(1) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص139.

(2) أبو المحاسن: النجوم الزاهرة 5/ 167.

(3) ابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص139،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت