الصفحة 163 من 390

يسيطر على اللاذقية لصالح الدولة البيزنطية، ومن ثَمَّ فقد ترك ريمون المدينة وانطلق إلى القسطنطينية ليتباحث مع ألكسيوس كومنين كيفية تخليص اللاذقية [1] ، غير أنهم فوجئوا بحدث مهم ضخم غيَّر من حساباتهم، وأوشك أن يغيِّر من خطط الجميع!!

لقد وصلت جموع هائلة من الغرب الأوربي تسعى للمشاركة في الحملة الصليبية! لقد سمع الأوربيون بأخبار تأسيس ثلاث إمارات في داخل أراضي المسلمين، وسمعوا بأخبار الغنائم والأموال والأسلاب، وسمعوا بأخبار الموانئ الإسلامية التي تتساقط في أيدي الصليبيين، وسمعوا عن العقود التجارية التي فازت بها أساطيل الجمهوريات الإيطالية، وسمعوا عن استكانة المسلمين غير المتوقعة وفرقتهم وتشرذمهم، لقد دفعتهم كل هذه المعلومات إلى تجميع الأعداد الكبيرة للاستفادة من هذا الموروث السهل [2] !

ولقد وصلت هذه الجموع الهائلة إلى القسطنطينية في (494هـ\ مارس سنة 1101م [3] (خريطة 19) ، وكان أول المجموعات وصولًا هي مجموعة اللمبارديين، وهم أهل شمال إيطاليا، وكان على رأسهم (أنسلم) رئيس أساقفة ميلانو، وكان بصحبتهم أيضًا مجموعة من الأمراء الإيطاليين مثل ألبرت وجيوبرت وهيومن وغيرهم [4] ، غير أن عموم الحملة كانوا من الفلاحين والعوام، وأيضًا من النساء والأطفال، وكانت هذه الحملة أشبه ما تكون بحملة بطرس الناسك ووالتر المفلس [5] ، ولعلنا نلاحظ أن الحملة العسكرية الأولى كانت بقيادة أدهمار المندوب البابوي (أسقف بوي) ، ثم كانت النجدة الثانية بقيادة دايمبرت رئيس أساقفة بيزا، وها هو أنسلم رئيس أساقفة ميلانو يقود النجدة الحالية، ليبرز لنا بوضوح دور الكنيسة في تحريك الجموع بغزو البلاد الإسلامية.

وعندما وصلت هذه الجموع إلى القسطنطينية قاموا بالإفساد الذي تعوَّد عليه شعب أوربا في ذلك الوقت؛ مما دفع ألكسيوس كومنين أن يعجل بنقلهم عبر مضيق البسفور إلى أرض آسيا الصغرى، حيث توجهوا إلى مدينة نيقية، ليكونوا في انتظار بقية الجموع [6] ، ثم اتفق ألكسيوس كومنين مع ريمون الرابع على أن يرأس ريمون الرابع هذه الجموع لخبرته في المنطقة [7] ، ولدرايته بحروب المسلمين، وليضمن كذلك أن توجه الحملة إلى أطماع ألكسيوس كومنين، لا إلى أطماع تانكرد أو بلدوين الأول أو غيرهما!!

ثم مرَّ شهر أو يزيد ووصلت جموع أخرى من الصليبيين، وخاصة من فرنسا وألمانيا [8] ، وانضمت إلى القوات الأولى في نيقية، ليصل مجموع الحملة الصليبية إلى مائتي ألف في أقل تقدير! بينما يصل بهم ابن الأثير إلى ثلاثمائة ألف [9] !!

لقد كان جيشًا هائلًا تولى قيادته ريمون الرابع، وسار بهم في اتجاه دوريليوم ليلحق ببقية الصليبيين في الشام، وكانت هذه هي رغبة ألكسيوس كومنين أيضًا، حيث كان يريد إعادة السيطرة على المدن التي ضاعت منه هناك [10] ، وكان ريمون يريد لهذه الجموع أن تساعده في إسقاط طرابلس لينشأ له إمارة هناك، إلا أن جموع اللمبارديين رفضت هذا التوجُّه، وأرادت أن تنحرف بالحملة إلى الاتجاه الشمالي الشرقي لتغزو مناطق بني الدانشمند، وذلك بغية فك الزعيم النورماني الكبير بوهيموند من أسره [11] ، ولا ننسى أن جموع اللمبارديين من إيطاليا بلد الزعيم المأسور، وعندما أشار ريمون الرابع إلى صعوبة تحرير بوهيموند المحبوس في قلعة نكسار الحصينة في مناطق جبلية وعرة على ساحل البحر الأسود [12] رفض اللمبارديون إشارته، وقالوا: إنهم إن فشلوا في تحريره فإنهم على الأقل سيدمرون أهم مدينتين في أقاليم بني الدانشمند، وهما مديتنا أماسية وسيواس [13] ، وأمام إصرار القوة الرئيسية في الجيش رضخ ريمون الرابع، وانحرف بالجيش في الاتجاه الشمالي الشرقي، فوصلوا إلى أنقرة في (494هـ) أواخر يونية 1101م واستولوا عليها في سهولة بالغة، ثم أكملوا طريقهم في اتجاه قسطموني شمالًا [14] !

إنهم يتجهون الآن إلى عمق بلاد الأتراك المسلمين، فماذا كان ردُّ فعل الملك غازي كمشتكين؟ وماذا فعل قلج أرسلان الذي كان يتخذ من قونية قاعدة له؟

لقد قام الملك غازي بالفعل الصائب إذ أرسل إلى قلج أرسلان السلجوقي ليستعين به في حروب الصليبيين، ولم يخيِّب قلج أرسلان ظنَّه، وجمع جيشه وانضم إليه، بل وانضم إليهما بعد ذلك بعض جنود رضوان بن تتش زعيم حلب [15] !

لقد كان خليطًا عجيبًا من زعماء تناحروا قبل ذلك كثيرًا، ولكنهم رأوا أن الدائرة ستدور عليهم قريبًا، وخاصةً أن هذه الجموع تجاوزت المائتي ألف؛ ولذلك توحدوا!!

(2) انظر: محمد سهيل طقوش: تاريخ سلاجقة الروم في آسيا الصغرى ص96.

(5) زابوروف: الصليبيون في الشرق ص129،127،

(7) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 40،39.

(9) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 29.

(11) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 29.

(15) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت