فهرس الكتاب
ومع كون التاريخ غير مبشِّر، ومع كون القلوب غير صافية إلا أن الوَحْدة - مهما كانت - تؤتي ثمارًا ونتائج، نعم قد تكون ثمارًا مؤقتة إن لم تكن هذه الوحدة لله، ولكنها تظل أفضل من الفرقة والتشتت. وهكذا على الرغم من عدم قناعتنا الكاملة بهذه الشخصيات فإنهم استطاعوا أن يفعلوا شيئًا، وشيئًا كبيرًا، لتبقى القاعدة الذهبية الأصيلة:"يد الله مع الجماعة!" [1] .
ماذا فعلت الجيوش الإسلامية المتحدة؟!
لقد تقدمت فرقة قلج أرسلان أمام الجيش الصليبي، ثم بدأت تظهر الانسحاب أمامه لتشجعه على الاستمرار في التقدم، وفي أثناء هذا الانسحاب كان السلاجقة يقومون بحرق المزروعات في الحقول، وبردم الآبار، وتدمير المؤن والأغذية حتى لا يتركوا فرصة للجيش الصليبي للتزود بأي تموين، وطال الطريق على الجيش الصليبي، وبدأ يشعر بالتعب والإنهاك [2] ، وخاصةً أن هذه الأحداث كانت تدور في شهر يوليو من سنة 1101م، والحرارة عالية، وطبيعة الطريق الجبلية والصخرية مرهقة، وأكثر من ذلك أن السلاجقة كانوا يمارسون مع الجيش حروب استنزاف سريعة أثناء حركة الجيش جعلت الحالة النفسية للصليبيين مضطربة، وحاول ريمون أن يثني الجيش الصليبي عن عزمه باقتحام أرض الدانشمنديين، إلا أن الجيش أصرَّ على تخليص بوهيموند ليكون قائدًا لهم في غزو بلاد الشام!
واجتاز الصليبيون نهر هاليس ليدخلوا بذلك إلى أرض بني الدانشمند، وواصلوا تقدمهم شرقًا حتى وصلوا إلى مدينة مرسيفان في منتصف الطريق تقريبًا بين نهر هاليس ومدينة أماسية [3] ، وأدركت عيون الأتراك في ذلك الوقت أن الصليبيين قد بلغوا درجة كبيرة من الإعياء، فنصبوا كمينًا خطيرًا للجيش الصليبي، وبدأ الصدام المروّع (خريطة 20) !!
ومع كثرة أعداد الصليبيين فإنَّ اللقاء لم يكن متكافئًا، فالصليبيون في حالة مزرية من الجوع والعطش والإرهاق وارتفاع درجة الحرارة، إضافةً إلى وجود أعداد كبيرة من الفلاحين غير المحترفين للقتال، مع جهل الجميع بطبيعة الأراضي ومسالكها.
لقد كان قتالًا من جانب واحد، استطاع فيه المسلمون أن يحققوا نصرًا ساحقًا، حيث هلك أربعة أخماس الجيش الصليبي، وأُسر معظم الباقين، ولم ينجُ من الجيش إلا مجموعة من الأمراء على رأسهم ريمون الرابع، والذين نجوا بأنفسهم عندما رأوا الدائرة تدور على جيشهم، ووصلوا في فرارهم إلى القسطنطينية [4] !
(1) الترمذي: كتاب الفتن، باب لزوم الجماعة (2166) ، وقال حديث حسن غريب، وابن حبان (4577) .
(3) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 44.