فهرس الكتاب
فَقَد الجيش الصليبي في هذه المعركة أكثر من مائة وستين ألف مقاتل، وفقدوا نساءهم وأطفالهم وأموالهم وسلاحهم [1] ، وفقدوا سمعتهم وهيبتهم، وكانت هذه الأحداث في (494 هـ) أوائل أغسطس سنة 1101 م.
ولم تكن هذه هي الكارثة الأخيرة للصليبيين في هذه الظروف، إذ إنه في هذه الأثناء وصلت مجموعة أخرى من الصليبيين للقسطنطينية، وكانت هذه المجموعة مكونة من خمسة عشر ألفًا من الفرسان والمشاة الفرنسيين، على رأسهم وليم الثاني كونت نيفرز Nevers [2] ، وكان وصول هذه المجموعة في أثناء القتال الدائر في مرسيفان، وانطلق وليم الثاني في أراضي آسيا الصغرى، ووصل إلى أنقرة ودخلها بسهولة، غير أنه لم يدرك أي الطرق سلك الجيش الصليبي الأول، وحيث إن الجيش الصليبي الأول قد هلك بكامله تقريبًا، ومن فرَّ منه فرَّ في اتجاه الشمال؛ فإن الكونت وليم لم يعرف إلى أي الاتجاهات يسير [3] ، ثم إنه في النهاية توجه بجيشه جنوبًا إلى هرقلة، وهناك كانت الأنباء قد وصلت إلى القوات الإسلامية المتحالفة بوصول هذا الجيش الصليبي الجديد، فنزلوا مسرعين في اتجاه هرقلة، وهم في حالة معنوية مرتفعة جدًّا لانتصارهم الباهر في المعركة السابقة، وكان اللقاء حاميًا في هرقلة في أواخر أغسطس سنة 1101 م، وكان بالنسبة للمسلمين نزهة عسكرية بالقياس إلى اللقاء السابق! وما هي إلا ساعات قليلة وفَنِي الجيش الصليبي بكامله، ولم ينجُ منه إلا زعيمه الكونت وليم الثاني كونت نيفرز، ومعه ستة من خاصَّته وأتباعه [4] ! وتُعرف هذه المعركة في التاريخ بمعركة هرقلة الأولى؛ تمييزًا لها عن معركة هرقلة الثانية التي دارت بعدها بأقل من أسبوعين.
أما قصة معركة هرقلة الثانية فتبدأ بوصول المجموعة الثانية من هذه النجدة الصليبية التعيسة، حيث وصل إلى القسطنطينية ستون ألف مقاتل من فرنسا وألمانيا، على رأسهم وليم التاسع دوق أكوتيين وولف الرابع دوق بافاريا [5] ، واتجهت هذه المجموعة مباشرة إلى هرقلة عبر قونية، ومارس معها المسلمون نفس الأسلوب الذي مارسوه مع الحملة الأولى، حيث استدرجوهم إلى هرقلة بعد إتلاف المزروعات وطَمْر الآبار، فوصل الجيش الصليبي إلى هرقلة في أوائل سبتمبر من سنة 1101 م في حالة مأساوية من الجوع والعطش والإنهاك [6] ، وما لبثت المعركة أن بدأت لتصل في خلال ساعات إلى نفس النتيجة حيث أُبيد الجيش الصليبي بكامله، ولم ينجُ إلا الأمراء الذي هربوا إلى أنطاكية [7] !!
وذكر ابن الأثير أن الصليبيين لم ينج منهم إلا ثلاثة آلاف من ثلاثمائة ألف، وأفلتوا مجروحين الكامل 9/ 29.