الصفحة 166 من 390

ولعله من الملاحظ في المعارك الثلاثة أن أمراء الجيش الصليبي كانوا يفتحون لأنفسهم طريقًا للهرب تاركين الجموع المسكينة لمصيرهم المشئوم!

وهكذا دائمًا طبيعة الجيوش التي تفتقر إلى قضية، ولا يحرك القائد فيها إلا شهوته للتملُّك ورغبته في التوسع!

لقد كان ثلاث معارك هائلة في أقل من شهرين فَقَد فيها الصليبيون قرابة ربع مليون مقاتل، إضافةً إلى الغنائم والسبي، ولا شك أن حدثًا كبيرًا كهذا كان له من الآثار ما لا يحصى، ولعله من المناسب أن نقف وقفة لنتدبر في نتائج هذه المعارك المهمة، وأثرها على سير الأحداث:

أولًا: ارتفعت معنويات المسلمين في كل مكان، ليس في آسيا الصغرى فقط ولكن في كل العالم الإسلامي، فالمسلمون كانوا يفتقرون إلى نصر يعيد لهم ثقتهم في أنفسهم، ويُهوِّن عندهم قوة الصليبيين، وهذه المعنويات المرتفعة - وإن لم يكن لها مردود سريع - رسَّختْ في الأذهان فشل الادِّعاء القائل بأن الصليبيين قوة لا تقهر، وهذه خطوة مهمة في بداية التغيير.

ثانيًا: من المفترض أن المسلمين فهموا بعد هذه المعارك الثلاث بعض أسباب النصر، ولعل من أبرز هذه الأسباب وضوحًا الجهاد والوحدة.

فالحقوق لا تعود إلى أصحابها عن طريق إقناع المعتدين بالعدول عن اعتدائهم، ولا عن طريق طاولة مفاوضات، ولا عن طريق وساطة غربية ولا شرقية، إنما تعود الحقوق بالدفاع الجريء عنها، وبالصمود الطويل، وبالصبر الجميل، وبالإعداد والتجهيز، وبذل الوسع والطاقة؛ وهو ما وَضَح لنا جميعًا في خطوات سير المعارك الثلاث.

كما أن الوَحْدة بين قلج أرسلان وكمشتكين ضاعفت القوة، وسددت الرمية، وأزعجت الأعداء، وأرهبت صدورهم؛ مما قاد إلى النصر بشكل طبيعي مفهوم.

ثالثًا: للأسف الشديد، وللمرة الثانية في حروب السلاجقة والدانشمنديين، لم نر التوجه الإسلامي واضحًا في الحرب التي خاضوها، ولم تنقل المصادر إلينا اشتياقًا إلى الشهادة، أو رغبة في دخول الجنة، إنما أخذت المعارك الطابع القومي والوطني، وطابع الحفاظ على الأراضي والديار والأملاك، وهذا وإن كان من الممكن أن يحقق نصرًا كما رأينا، إلا أن هذا النصر يكون مرحليًّا غير ممتد؛ لأن الله - عز وجل - لا يتم نصره إلا لمن قاتل في سبيله، ووحَّد وجهته كلها لله - عز وجل -. ومما يؤكد قومية التوجه عند الأتراك في هذه المعارك أنهم لم يسعوا إلى استغلال هذا النصر والتفوق في تحرير المدن الإسلامية المحتلة، مع قربها الشديد من أرضهم، وخاصةً أنطاكية والرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت