الصفحة 167 من 390

رابعًا: مع حلاوة هذا النصر وبريقه فإنَّ قادة المسلمين في الشام كانت على أعينهم غشاوة سميكة جدًّا، فلم يفهموا هذا النصر، ولم يعلموا أسبابه، بل لم يفكروا في استغلال أزمة الصليبيين بفقدان هذا العدد الهائل من الجنود، ومن ثَمَّ لم يسعوا إلى تحرير أوطانهم وديارهم.

خامسًا: تفرغ الأتراك في آسيا الصغرى بعد هذه المعارك إلى بسط سيطرتهم على المدن هناك، فسيطر قلج أرسلان على وسط آسيا الصغرى، واتخذ قونية عاصمة له [1] ، بينما ركَّز كمشتكين بن الدانشمند جهوده في الشرق، وأسقط ملطية تحت سيطرته [2] .

سادسًا: أغلقت هذه المعارك الطريق البري من القسطنطينية إلى أرض الشام أمام القوات الصليبية، وظل هذا الطريق مغلقًا قرابة قرن كامل من الزمان حتى زمان الإمبراطور الألماني فردريك باربروسا في أواخر القرن الثاني عشر الميلادي [3] ؛ مما يشير إلى مدى الرهبة التي تُلقى في قلوب أعداء الأمة إذا رُفعت راية الجهاد والمقاومة.

سابعًا: أدى انغلاق الطريق البري لأرض الشام أن نشطت جدًّا حركة السفن في البحر الأبيض المتوسط للوصول بالإمدادات والمؤن والجيوش إلى الموانئ الشامية والقسطنطينية، ولما كانت معظم هذه السفن مملوكة للجمهوريات الإيطالية فإنَّ دور هذه الجمهوريات أصبح مؤثرًا جدًّا في أحداث الحروب الصليبية، ولعشرات السنوات المقبلة [4] .

ثامنًا: أدت هذه الانتصارات الإسلامية إلى قلق الصليبيين في الشام، وهذا أدى بدوره إلى توقف حركاتهم التوسعية، وقناعتهم بالاكتفاء بالحفاظ على ما بأيديهم، خاصةً أن هزيمة الصليبيين كان لها وقع سيِّئ جدًّا على الغرب الأوربي مما عوَّق جهود الكنيسة في جمع المقاتلين.

تاسعًا: أدت هذه الانتصارات إلى اقتناع الدولة البيزنطية أن قوتها أضعف من أن تخوض قتالًا مباشرًا مع الأتراك في داخل آسيا الصغرى، ومن ثَمَّ لم تحاول أن تدخل جيوشها إلى هذه المناطق إلا بعد وفاة قلج أرسلان بعد ذلك بست سنوات.

عاشرًا: نتيجة سلبية خطيرة لهذا النصر، وهي أن البيتين التركيين الكبيرين: البيت السلجوقي، والبيت الدانشمندي دخلا في صراع محتدم بعد هذا الانتصار، فقد تفرَّغ كل منهما للآخر، ولم يفهما قيمة الوحدة التي أنعم الله بها عليهما في وقت من الأوقات، ومن ثَمَّ نظر كل طرف إلى مصالحه الخاصة، وإلى أطماعه التوسعية؛ ولما كانت مساحة آسيا الصغرى محدودة، فكان لا

(1) رنسيمان: تاريخ الحروب الصليبية 2/ 47.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 29، وابن العبري: تاريخ مختصر الدول ص126،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت