الصفحة 189 من 390

هذا هو التجرد الذي يُرجى من ورائه النصر!

ثم إنه لم يكتفِ بذلك رحمه الله، بل استغل النصر الإسلامي المهيب، وأخذ ملابس الصليبيين وأسلحتهم، وألبسها لجنوده المسلمين كنوع من التمويه على الصليبيين، ثم مرَّ على عدة قلاع كان الصليبيون قد استولوا عليها، فيحسبهم الصليبيون إخوانهم وجيشهم فيفتحون القلعة، فيدخل المسلمون ويسيطرون على القلعة، وهكذا حتى تمَّ له السيطرة على عدة قلاع وحصون مهمة في المنطقة [1] .

أما جكرمش فقد سار إلى حران، فتسلمها وضمها إلى الموصل، ولم يكتفِ بذلك بل قرر أن يأخذ جيشه - على قلته - ويحاصر إمارة الرها، وهو وإن كان يعلم أن هذه القوة القليلة ما تستطيع أن تفتح إمارة الرها الحصينة [2] ، إلا أنها كانت نوعًا من الحرب النفسية سيكون لها أشد الأثر على الصليبيين، خاصةً بعد هذه الهزيمة الثقيلة في حرَّان، أو في موقعة البليخ (نسبة إلى النهر الذي دارت حوله الموقعة) [3] .

لقد حققت هذه الموقعة آثارًا جلية، ولهذا كانت نقطة مضيئة جدًّا في الصراع الإسلامي - الصليبي، على الرغم من كونها على النطاق العسكري والإقليمي لم تكن من المواقع الكبرى. ولعلنا في هذه العجالة نقف على عشر نتائج مهمة لهذه الموقعة المهمة:

أولًا: ارتفعت الروح المعنوية للمسلمين بشكل لافت للنظر، وظلت هذه الموقعة محفورة في أذهانهم ولفترة طويلة، وليس ذلك لقتل عدد من الصليبيين أو أسر آخرين فحسب، ولكن لوضوح الرؤية عند المسلمين في هذه المعركة، ومعرفة المسلمين لأسباب النصر الحقيقية، ولرفع الكلمة الغالية: (الجهاد في سبيل الله) ، ولرؤية ثمرة التأييد الرباني لمن سار في طريق الله، وتمسك به.

ثانيًا: لا شك أنه إن كان الأثر إيجابيًّا على المسلمين إلى هذه الدرجة، فإنه حتمًا سيكون سلبيًّا على الصليبيين وبدرجة أشد، ولقد شعر الصليبيون بالهزيمة النفسية، وبالإحباط الشديد الذي ظل متوارثًا فيهم ولأجيال متلاحقة، بل إننا لا نبالغ إن قلنا أن هذه المعركة كانت سببًا في تغيير طريقة التفكير للصليبيين في العراق وفارس، فهذه هي المرة الأولى - وكذلك الأخيرة - التي يفكر فيها الصليبيون في غزو هذه المناطق، وبذلك تكون هذه الموقعة - على بساطتها - قد وضعت حدًّا لأحلام الصليبيين وطموحاتهم [4] .

ثالثًا: فَقَد الصليبيون في هذه الموقعة أكثر من اثني عشر ألف مقاتل، لا شك أنهم أثروا تأثيرًا سلبيًا في قوة الصليبيين، خاصةً أن الأوربيين فقدوا حماستهم في القدوم إلى أرض الإسلام بعد كارثة الحملة الصليبية التي جاءت سنة (494هـ) 1101م، أي من ثلاث سنوات فقط، ومن ثَمَّ تناقص عدد الجنود في إمارتي الرها وأنطاكية تناقصًا مزعجًا، كان له أكبر الأثر في خطط الإمارتين.

رابعًا: لم تفقد إمارة الرها جنودًا فقط، بل فقدت أميرها ونائبه! فقد وقع بلدوين دي بورج ونائبه جوسلين دي كورتناي في الأسر، ولا يعلم أحد متى يكون إطلاقهما، وخاصةً أن كل واحد منهما مأسور في إمارة مختلفة؛ فبلدوين في يد جكرمش أمير الموصل، وجوسلين في يد سقمان أمير حصن كيفا وماردين [5] ، وعلى هذا فلم يجد جيش الرها الصليبي من يتولى زعامة الإمارة في غياب الأميرين الكبيرين، فعرضوا على تانكرد النورماني أن يتولى الإمارة لحين إطلاق سراح أحد الأميرين [6] ، وبالطبع وجدها تانكرد فرصة سانحة لتحقيق طموحه. وهكذا كان تانكرد يعمل في أرض الشام كالجوكر الذي يستعان به عند الأزمات، فهو تارة أمير للجليل في إمارة بيت المقدس، وتارة أخرى أمير على أنطاكية في غياب بوهيموند، وتارة ثالثة أمير على الرها في غياب بلدوين دي بورج.

خامسًا: فقدت الإمارات الصليبية بعد هذه الهزيمة عدة قلاع وحصون، بل وعدة قرى ومدن وأملاك، وتغيرت جغرافية المنطقة تغيرًا ملموسًا، ولم يكن الأمر واقفًا فقط عند القلاع التي حررها سقمان في أعقاب المعركة مباشرة، وكانت كل هذه القلاع تابعة لإمارة الرها، بل تجاوز الأمر كذلك إلى إمارة أنطاكية حيث فقدت هي الأخرى عددًا ضخمًا من القرى والحصون التابعة لها؛ وقصة ذلك أن رضوان بن تتش ملك حلب لم يفكر في الاشتراك في هذه الحرب الإسلامية، وإنما وقف بجيشه عند نهر الفرات يترقب الأحداث، ويشاهد تطورات المعركة، وعندما رأى هزيمة الجيش الصليبي، وقتل عدد كبير من جنوده، وفرار بوهيموند وتانكرد، وأسر بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي، واتجاه تانكرد إلى الرها ليحكمها بدلًا من بلدوين دي بورج، عندما رأى رضوان كل ذلك تجرأ على مهاجمة أملاك إمارة أنطاكية، والتي كانت تابعة قبل ذلك لإمارة حلب، فاسترد في أيام معدودات عددًا من القلاع والمدن القريبة من حلب مثل معرَّة مصرين وسرمين، كما قام أحد الأمراء المسلمين في المنطقة - وهو شمس الخواص أمير رفينة - باسترداد مدينة صوران شرقي شيزر، كما لم تلبث الحاميات الصليبية في معرَّة النعمان والبارة وكفرطاب ولطمين أن تنسحب من جَرَّاء

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74.

(4) محمد سهيل طقوش: تاريخ الزنكيين في الموصل والشام ص64.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت