الصفحة 188 من 390

مؤخرة الجيش مع ابن أخته تانكرد ليؤمِّن ظهر الجيش الصليبي، وفي نفس الوقت ليؤمِّن لنفسه طريقًا للهرب [1] !

وما هي إلا ساعات وانتصر الجيش المسلم انتصارًا مهيبًا قُتل فيه من الصليبيين أكثر من اثني عشر ألف مقاتل [2] ! كما تمَّ أسر بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي!! هذا فوق عدد كبير آخر من الأسرى، إضافةً إلى كميات ضخمة من الغنائم والأموال والسلاح، وولَّى بوهيموند وتانكرد الأدبار مسرعين إلى أنطاكية [3] !

لقد كان نصرًا مجيدًا حقًّا!

ولم يتعرض المسلمون أثناء القتال إلى أزمة حقيقية، فقد كانت السيطرة لهم من بادئ الأمر، إلا أنهم تعرضوا لأزمة كبيرة بعد الموقعة، لكن - بفضل الله - كتب الله لهم منها النجاة؛ ذلك أن معظم الغنائم والأموال - وكذلك الأسيرين الثمينين - وقعوا في يد سقمان بن أرتق وجيشه، وخرج جكرمش خالي الوفاض من المعركة، وغضب جيش جكرمش وهم يشاهدون الثروات تقع في يد الجيش التركماني، وأغروا جكرمش بأخذ نصيبه منها، واقتنع جكرمش بذلك، وذهبوا للمعسكر التركماني، وقد وجدوا أن سقمان كان في مطاردة الصليبيين مع جزء من جيشه، فدخلوا خيمة الأسرى، واستطاعوا أن يأخذوا بلدوين دي بورج أمير الرها، والأسير الأعظم وعادوا به إلى معسكرهم!

إنها فتنة الدنيا!! وليس مستغربًا على هذا الزمن الذي اختلطت فيه المفاهيم جدًّا أن توجد هذه النوازع في نفوس الأمراء والمقاتلين.

وعاد سقمان من مطاردته، وعرف بما حدث، وحضَّه جيشه على قتال جكرمش لأخذ الأسير الثمين، إلا أن سقمان رحمه الله وقف موقفًا لله هو من أعظم المواقف في حياته، ويدل دلالة واضحة على طيب معدنه، وصدق نيته؛ لقد قال سقمان لجيشه:"لا يقوم فرح المسلمين في هذه الغزاة بغمِّهم باختلافنا، ولا أوثر شفاء غيظي بشماتة الأعداء بالمسلمين" [4] .

الله أكبر!!

إنه لا يريد أن يضيع سعادة المسلمين بالنصر باختلافهم على الغنيمة، ولا يريد أن يشفي صدره من جكرمش ويسبِّب شماتة الأعداء في المسلمين.

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 73.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74.

(3) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 73، وابن القلانسي: ذيل تاريخ دمشق ص232،

(4) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 74،73.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت