الصفحة 187 من 390

بين جكرمش أمير الموصل وسقمان بن أرتق أمير حصن كيفا (إلى الشرق من حران) ؛ حيث كان سقمان مؤيدًا للأمير موسى التركماني الذي كان يتولى أمر الموصل قبل ثورة جكرمش عليه.

لقد تخير الصليبيون وقتًا حرجًا جدًّا، وانتصارهم في هذه الظروف قريب! غير أن هناك أمرًا - ما حسب له الصليبيون حسابًا في ظل هذه الاضطرابات - حدث؛ وغيَّر هذا الأمر جدًّا من موازين القوى في المنطقة؛ لقد تبادل الزعيمان المسلمان جكرمش وسقمان بن أرتق الرسائل في وقت متزامن تقريبًا، يدعو فيه كل زعيم أخاه إلى نسيان الخلافات القديمة والتعاون المشترك ضد الصليبيين، وهذا رائع جدًّا أن تتم الوحدة بين المسلمين في ظروف الأزمات والنكبات، ولكن الأروع في قصتنا هذه أن كلا الزعيمين أعلن هذه الوحدة ليست لتحقيق نصرٍ، أو لتوسيع ملك، أو لتكثير ثروة، إنما هي لله!!

لقد جاء في رسالة كل واحد منهما للآخر ما رواه ابن الأثير حيث قالا:"إنني ما بذلت نفسي في هذا الأمر إلا لله تعالى وثوابه" [1] .

وهذه هي المرة الأولى في قصة الحروب الصليبية التي نرى فيها راية الجهاد مرفوعة في سبيل الله، وبتجرد واضح؛ نعم الزمن زمن فتنة، والقلوب متقلبة، والأهواء مضطربة، والنفوس قلقة، ونوزاع الملك والسيطرة كثيرة، والأحلام الشخصية موجودة، ولكن - بحمد الله - ما زال في النفوس خير، وما زال هناك من يعمل العمل ابتغاء مرضات الله. وإنَّ من أروع ما في القصة أن تتزامن رسائل الزعيمين، دلالةً على أن الله - عز وجل - أراد بهما وبالمسلمين خيرًا.

اقترب الجيش الصليبي الكبير من حران، وفرض عليها الحصار المحكم، وهو لا يعلم باتحاد الجيشين المسلمين للموصل وحصن كيفا؛ ولذلك كانت مفاجأة كبيرة جدًّا للصليبيين أن ظهر في الأفق الجيش الإسلامي المتحد، والمكوَّن من عشرة آلاف مقاتل، منهم ثلاثة آلاف من العرب والسلاجقة والأكراد تحت قيادة جكرمش، وسبعة آلاف تركماني تحت قيادة سقمان بن أرتق [2] .

وفي سنة (497هـ) 7 من مايو 1104م دارت موقعة شرسة بين المسلمين والصليبيين، وذلك على ضفاف نهر البليخ [3] (خريطة 21) .

وقاتل في هذه المعركة بلدوين دي بورج وجوسلين دي كورتناي بكل قوتهما؛ لأن المعركة تدور تقريبًا في حدود إمارتهما، أما بوهيموند فقد استفاد من درس أسره قبل ذلك؛ ولذلك وقف في

(1) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 73.

(2) ابن الأثير: الكامل في التاريخ 9/ 73.

(3) البليخ: اسم نهر بالرقة، يجري نحو خمسة أميال ثم يسير إلى موضع قد بنى عليه مسلمة بن عبد الملك حصنًا. الحموي: معجم البلدان 1/ 493.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت